تأصيل الحداثة وعصرنة التراث

بين كوننا شكلا في العالم الحديث، وكوننا جوهرا من خارجه، يضطرنا إلى معاناة قضايا مجتمع قديم في عالم حديث، ومعاناة قضايا عالم حديث في مجتمع قديم. ففي التعبير عن معاناتنا تلك نعرض أنفسنا لإنتاج فكر أصيل وعمل حديث يجده الفرد العربي صالحا له أينما حل وارتحل.

لكن، قبل هذا، نشير إلى أن معركة اليوم تعيدنا إلى ثقافة الأسئلة، وتفرض علينا نقلة منطقية وحتمية من التساؤل عن « الأنا؟ » إلى التساؤل عن « نحن؟ ». يفرض السؤال نفسه، إذن، بأبعاد أوسع: من نحن؟

في محاولة للإجابة عن السؤال الجوهري، ربما يستحسن أن نبدأ من النهاية، أن نبدأ من نقطة يتفق عليها الجميع، وهي أن الشرْخ الذي يعيشه المثقف العربي أو الفصام الذي يتهدده كل يوم، يرجع إلى غياب المشروع الثقافي والحضاري، القومي أو العربي. قد يرى البعض أن هذا التشخيص يعاني التبسيط الشديد. لكنه، في حقيقة الأمر، يقع في قلب الشرخ الثقافي العربي. فالأمر لا يحتاج إلى كثير ذكاء أو تمحيص لندرك أننا في أي بقعة من بقاع العالم العربي، لا نملك مشروعا ثقافيا قوميا، سواء على المستوى الإقليمي، أو على المستوى العربي العام، وأن جميع محاولاتنا لتحقيق هذا المشروع أو المشاريع كانت تؤدي دائما إلى طريق مسدود يؤكد الفصام ويوسع الشرخ، بل إن محاولتنا في أحيان كثيرة لم تتعد مرحلة الكلام بغرض الاستهلاك المحلي. على الرغم من كل ما تتشدق به مجالسنا وهيئاتنا ومؤسساتنا الثقافية من خطط للعمل الثقافي، فإننا لم ننجح حتى الآن، ومنذ اتصالنا بالغرب وثقافته في النصف الأول من القرن التاسع عشر، أو منذ السنوات الأخيرة من القرن السابق عليه.

ولسنا بحاجة في هذا السياق للتوقف عن المشروع الثقافي في محاولة لتعريفه، يكفي أن نقول إننا لا نقصد هنا خطة للعمل الثقافي تقوم هيئة أو سلطة ( ممثلة في حكومة أو وزارة للثقافة ) بوضعها بطريقة واعية مدركة، يتم فيها وضع البرامج وتسمية الآليات التي تمكِّن الجماعة من تحقيق الهوية الثقافية والحفاظ عليها. إذ أن مرحلة التخطيط والتنفيذ هذه، تمثل مرحلة تالية للمشروع الثقافي القومي، وفي غيبة هذا المشروع تصبح الخطط والأنشطة التنفيذية لها مجرد مسكنات مؤقتة ومرحلية، قد تتعارض وتتصادم مع خطط وآليات تنفيذ أخرى، عند حدوث تغير في السلطة المسؤولة، أو المنوط بها تنظيم العمل الثقافي. لكننا نقصد تحرك القوى الاجتماعية في اتجاه يحقق تحديد الهوية الثقافية للجماعة، والحفاظ عليها من الذوبان في ثقافة أو ثقافات الآخر في أثناء تفاعلها معه أو احتكاكها به، في عصر أصبح الاحتكاك بين الثقافات قدرا محتوما. ربما لا يعني ذلك قيام سلطة أو سلطات عليا بالتحكم في مسار القوى الاجتماعية بصورة إرادية واعية تماما، ولكنه يعني تحقق قدر أدنى من التحكم في ذلك المسار وتوجيهه، مما يعني في المقابل درجة من التحكم في التغيرات الاجتماعية التي هي أساس الأنشطة الثقافية. فقرار فتح السوق مثلا أمام قوى الإنتاج والاستهلاك، وهو قرار سياسي سلطوي، يؤدي إلى إحداث تغيرات اجتماعية جذرية تؤدي بدورها إلى خلق حساسية خاصة بها، ومن ثم، إلى إفراز أدب وفكر خاصين بتلك التغيرات الجديدة. وإغلاق السوق وتوجيه الإنتاج وترشيد الاستهلاك قرار سياسي سلطوي، يؤدي إلى تداعيات مختلفة على المستويين الاجتماعي والثقافي. هذا هو قدر التحكم الذي نقصده والذي يمكن أن يؤدي في ظل وضوح كامل للرؤية، إلى تطوير مشروع ثقافي قومي.

وتلح علينا ثقافة الأسئلة: هل نحن شرقيون أم غربيون؟ هل نعيش حالة المجتمع الحديث أم حالة المجتمع القديم؟ هل ننتمي إلى التراث العربي أم إلى التراث الغربي؟ قد تعني الإجابة والقدرة على تحديد هويتنا الثقافية القدرة على اتخاذ قرار يرضي البعض ويغضب البعض الآخر. لكن الاتفاق يفترض أنه سوف ينهي حالة الفصام، ويضع حدا للشرخ ويرأب الصدع. وهكذا سنعود إلى درجة من التوحد الصحي والكلية التي راوغتنا لما يقرب من قرنين من الزمان. عندئذ سنكون أسعد حالا بعد أن نخرج من الدائرة الجهنمية الحالية، التي ندور داخلها مغمضي العيون، مسلوبي الإرادة، تتقاذفنا تيارات القديم والجديد دون أن ننجز شيئا، يتمثل جل جهدنا في السير فوق أحبال التوازنات الدقيقة.

وهنا نسأل مرة أخرى: ماذا حدث؟ وأين أخطأنا؟ وما الذي أوصلنا إلى ذلك الشرخ، وذلك الفصام المؤلمين؟ ماذا حدث حتى وصل البعض منا في انبهاره بالغرب والثقافة الغربية إلى درجة العماء الكامل، الذي أفقدهم القدرة على الاختلاف؟ ما الذي حدث حتى وصل البعض، وسط انبهارهم بالعقل الغربي وإنجازاته، إلى درجة احتقار العقل العربي وإنجازاته؟

إن الإجابة لا تكمن، كما قد يتبادر إلى أذهان البعض، ممن ينشدون إجابة سهلة، في الحداثة أو ما بعد الحداثة أو في الاثنين معا. على الأقل لم تكن الحداثة نقطة بداية الشرخ؛ بل كانت مرحلة متأخرة يرى البعض أنها بدأت بعد نكسة 1967، ثم أصبحت تيارا قويا عالي الصوت في بداية الثمانينيات. والواقع أن الحداثة وما بعدها كانتا نتيجة ولم تكونا سببا. صحيح أنهما تمثلان ذروة الارتماء في أحضان الثقافة الغربية، لكنها ذروة سبقتها عملية اتجاه واعية ومدركة نحو الغرب وثقافته، بدأت في أثناء تحديث التعليم وابتعاث الشباب إلى أوروبا.

ثم يصبح جسر التأثير الغربي في الثقافة العربية طريقا واسعا ممهدا عن طريق الاستعمار الغربي. فلم يعد الأمر مقصورا على فئة محدودة من الأفراد يبتعثون إلى أوروبا لتعود بانبهارها إلى الثقافة العربية؛ لتحاول تحديث العقل العربي، أو مجرد اقتباس أنظمة تعليم أوروبية حديثة تطبق في عدد محدود من المدارس، بل تعداه إلى غزو بشري عسكري يؤكد التفوق العسكري والثقافي للمنبهرين، ويفرض التبعية على المترددين.

أين أخطأنا إذن؟

أخطأنا حينما حولنا صفقة « التحديث » التي تعني الحفاظ على منجزات العقل العربي من الاستفادة من منجزات العقل العربي في العلوم والتكنولوجيا، كما فعلت اليابان على سبيل المثال حتى عهد قريب، إلى صفقة حضارية وثقافية شاملة، وتحولنا من الانتقاء الذكي من ثمرات الحضارة الغربية، منذ ذروة عصر النهضة، إلى الارتماء الكامل لمنجزات العقل العربي، وهو ما يسمونه بلغة الحداثيين البراقة: “القطيعة المعرفية مع الماضي”، على أساس أن الحداثة لا تتم إلا بتحقيق القطيعة المعرفية مع التراث.

باختصار مؤلم، أخطأنا حينما جمعنا بين الانبهار بالعقل العربي ومنجزاته، وبين احتقار العقل العربي والتنكر لمنجزاته والتقليل الكامل من شأنها.

من هنا أسوق كلاما لمحمد عابد الجابري الذي أراه صائبا فيما ذهب إليه حين يقول:

« نسمع من حين لآخر أصواتا تضع بصورة أو بأخرى، “الاشتغال بالتراث”  موضع السؤال: “لماذا كل هذا الاهتمام بالتراث؟ ألا يتعلق الأمر بردة فكرية؟”. بل هناك من يذهب إلى حد القول إن الأمر يتعلق بظاهرة مَرضية، بـ” عصاب جماعي” أصاب المثقفين العرب بعد نكسة 1967م، فارتدوا ناكصين إلى الوراء، إلى”التراث”. والذين يقولون هذا يشتكون من أن الاهتمام بـ”التراث” وقضاياه يصرف عن الاهتمام بـ”الحداثة” ومتطلباتها. إنهم يرون أو يتخيلون أن التراث العربي الإسلامي هو، ككل تراث، مجرد بضاعة تنتمي إلى الماضي ويجب أن تبقى في الماضي وبالتالي فلا يشتغل بها -إذا كان ولابد- إلا المختصون الأكاديميون في دراسة شؤون الماضي، وفي هذه الحالة يجب أن ينحصر الاهتمام به في إطار قاعات الدرس الجامعي وصفحات المجلات العلمية المختصة وحدها. بعبارة أخرى أن هؤلاء المشتكين من اهتمام المفكرين العرب المعاصرين بالتراث، هذا الاهتمام “الزائد” يعتقدون أن ذلك إنما يتم على حساب الاهتمام بـ”الحداثة”.

ونحن نعتقد أن هذا الموقف ينم عن عدم تقدير كاف للمشكل المطروح في الثقافة العربية، ذلك أن ما يميز الثقافة العربية منذ عصر التدوين إلى اليوم هو أن  “الحركة” داخلها لا تتجسم في إنتاج الجديد، بل في إعادة إنتاج القديم، وقد تطورت عملية الإنتاج هذه منذ القرن السابع  إلى تكلُّس وتقوقع واجترار، فساد فيها ما سبق أن عبرنا عنه بـ”الفهم التراثي للتراث”وهو الفهم الذي مازال سائدا إلى اليوم، ومن هنا كان من متطلبات الحداثة، في نظرنا، تجاوز هذا “الفهم التراثي للتراث” إلى فهم حداثي، إلى رؤية عصرية له، فالحداثة في نظرنا، لا تعني رفض التراث ولا القطيعة مع الماضي بقدر ما تعني الارتفاع بطريقة التعامل مع التراث إلى مستوى ما نسميه بـ” المعاصرة ” أعني مواكبة التقدم الحاصل على الصعيد العالمي، صحيح أن من شأن الحداثة أن تبحث عن مصداقية أطروحاتها في خطابها نفسه، خطاب بـ” المعاصرة” وليس في خطاب “الأصالة” الذي يُعنى بالدعوة إلى التمسك بالأصول واستلهامها، ولكن صحيح أيضا أن الحداثة في الفكر العربي المعاصر لم ترتفع بعد إلى هذا المستوى، فهي تستوحي أطروحاتها وتطلب المصداقية لخطابها من الحداثة الأوربية التي تتخذها “أصولا” لها. وحتى إذا سلمنا بأن الحداثة الأوربية هذه تمثل اليوم حداثة “عالمية” فإن مجرد انتظامها في التاريخ الثقافي الأوربي، ولو على شكل التمرد عليه، يجعلها حداثة لا تستطيع الدخول في حوار نقدي تمردي مع معطيات الثقافة العربية لكونها لا تنتظم في تاريخها. إنها إذ تقع خارجها وخارج تاريخها لا تستطيع أن تحاورها حوارا يحرك فيها الحركة من داخلها، إنها تهاجمها من خارجها مما يجعل رد الفعل الحتمي هو الانغلاق والنكوص. وإذن فطريقة الحداثة عندنا يجب، في نظرنا، أن ينطلق من الانتظام النقدي في الثقافة العربية نفسها وذلك بهدف تحريك التغيير فيها من الداخل. لذلك كانت الحداثة بهذا الاعتبار تعني أولا وقبل كل شيء حداثة المنهج وحداثة الرؤية، والهدف: تحرير تصورنا لـ”التراث” من البطانة الأيديولوجية والوجدانية التي تضفي عليه، داخل وعينا، طابع العام والمطلق وتنزع عنه طابع النسبية والتاريخية »[1].

إن قضايا التراث والفكر المعاصر، من أبرز القضايا التي تتطلب معالجتها وعيا أيديولوجيا عميقا ومنهجية علمية سليمة. إن الطرح الأيديولوجي بطبيعتها، ضروري لفهمها والاستفادة منها، ولكن شريطة التزام المنهجية العلمية بكل ما تفرضه من موضوعية وتروٍ في إصدار الأحكام واتخاذ المواقف. ذلك وحده يمكّننا من التعامل معها تعاملاً فاعلاً لا انفعالياً، ذلك وحده ما يجعلنا نحتويه بدل أن تحتوينا.

فثنائية الانبهار بالعقل الغربي ومنجزاته، واحتقار العقل العربي ومنجزاته تقع في قلب الشرخ الثقافي الذي يعيشه الإنسان العربي بدرجات لا تتفاوت كثيرا من جماعة عربية إلى جماعة عربية أخرى، وبدلا من منطقة وسط يأخذ فيها المثقف العربي ما يتناسب مع ثقافته العربية وتراثه الطويل، نجد الغالبية تعيش الثنائية بكل تناقضاتها وفصامها. صحيح أن هناك قلة بين المثقفين العرب لم يفقدهم إنجاز العقل الغربي قدرتهم على الاحتفاظ بتوازن صحي بين طرفي الثنائية من منطلق إدراكهم أن إنجازات العقل العربي خيرا كلها. هناك من أدركوا الاختلافات بين الثقافتين العربية والغربية، وهناك من واجهوا التحديات القومية ضد الارتماء الكامل في أحضان الثقافة الغربية، لكن تحذيراتهم، على ما يبدو، ذهبت أدراج الرياح، ووصل الانبهار بالعقل الغربي إلى ذروته، في ربع القرن الأخير من القرن العشرين مع النخبة الحداثية وما بعد الحداثية العربية. الانبهار بمنجزات العقل الغربي، في حد ذاته، ليس خطيئة لا تغتفر، لكنه يصبح كذلك حينما يُقرن بالتنكر للتراث الثقافي العربي أو المناداة، كما تفعل النخبة بضرورة حدوث « قطيعة معرفية » كاملة معه كشرط لتحقيق التحديث والحداثة. من هنا يحدد شكري عياد في دقة كاملة، طرفي الثنائية في نهاية القرن العشرين حين يقول:

« لا شيء أصعب من أن ننظر إلى الحقائق كلها في وقت واحد، فكم يكون الاختيار سهلا لو تعامينا عن بعضها. وأصحاب الحداثة – كبارهم وصغارهم – يتجاهلون نقائص الحضارة الغربية مع علمهم بهذه النقائص، كأن إيمانهم بتفوق العقل الغربي ونجاح المجتمع الغربي بلغ حد الإيمان بقدراتهم على التغلب على جميع المشكلات، أو كان التفكير في نقائص الحضارة الغربية يجب أن يؤجل إلى أن نصبح جزءا من هذه الحضارة بالفعل »[2].

لكن كلمات شكري عياد هنا والتي تنتمي إلى العقد الأخير من القرن العشرين، تشير إلى الحداثة والحداثيين العرب، مما قد يوحي بأن الحداثيين هم الذين بدأوا موجة الانبهار بإنجازات العقل الغربي والثقافة العربية. لكن هذا ما لم يقصده عياد ولا يهدف إليه كاتب هذا المقال إلى إثباته. الحداثة العربية – كما سبق أن أشرنا – كانت نتيجة لهذا الانبهار ولم تكن سببا. كانت ذروة وإن كان ذلك لا يعني تبرئة الحداثيين العرب سواء من الانبهار بإنجازات العقل الغربي – وهذا من حقهم – أو احتقار العقل العربي – وهذا ليس من حق أحد.

يقول محمد عابد الجابري مرة أخرى:

« من هنا خصوصية الحداثة عندنا، أعني دورها الخاص في الثقافة العربية المعاصرة، الدور الذي يجعل منها بحق “حداثة عربية”. والواقع أنه ليست هناك حداثة مطلقة، كلية وعالمية، وإنما هناك حداثات تختلف من وقت لآخر ومن مكان لآخر. وبعبارة أخرى الحداثة ظاهرة تاريخية، وهي ككل الظواهر التاريخية مشروطة بظروفها، محدودة بحدود زمنية ترسمها الصيرورة على خط التطور، فهي تختلف إذن من مكان لآخر. من تجربة تاريخية لأخرى، الحداثة في أوربا غيرها في الصين، غيرها في اليابان…في أوربا يتحدثون اليوم عن “ما بعد الحداثة ” باعتبار أن الحداثة ظاهرة انتهت مع نهاية القرن التاسع عشر بوصفها مرحلة تاريخية قامت في أعقاب “عصر الأنوار” (القرن الثامن عشر ) هذا العصر الذي جاء هو نفسه في أعقاب “عصر النهضة” ( القرن السادس عشر).

أما في العالم العربي فالوضع يختلف: إن” النهضة ” و”الأنوار” و”الحداثة” لا تشكل عندنا مراحل متعاقبة يتجاوز اللاَّحق منها السَّابق، بل هي عندنا متداخلة متشابكة متزامنة ضمن المرحلة المعاصرة التي تمتد بداياتها إلى ما يزيد على مائة عام، وبالتالي فنحن عندما نتحدث عن”الحداثة” فيجب أن لا نفهم منها ما يفهمه أدباء ومفكروا أوربا، أعني أنها مرحلة تجاوزت مرحلة ” الأنوار ” ومـرحلـة ” النهضة” التي تقوم أساسا على”الإحياء”، إحياء “التراث” والانتظام فيه نوعا من الانتظام. إن الحداثة عندنا، كما تتحدث في إطار وضعيتنا الراهنة، هي النهضة والأنوار وتجاوزهما معاً، والعمود الفقري الذي يجب أن تنتظم فيه جميع مظاهرها هو العقلانية والديمقراطية. والعقلانية والديمقراطية ليستا بضاعة تُستَورد بل هما ممارسة حسب قواعد. ونحن نعتقد أنه ما لم تمارس العقلانية في تراثنا وما لم نفضح أصول الاستبداد ومظاهره في هذا التراث فإننا لن ننجح في تأسيس حداثة خاصة بنا، حداثة ننخرط بها ومن خلالها في الحداثة المعاصرة ” العالمية ” كفاعلين وليس مجرد منفعلين »[3].

أما عن الانبهار فلم يكن العقل العربي في يوم من أيام اتصاله بالثقافة والحضارة الغربيتين أكثر انبهارا بهما مما هو اليوم، ومنذ بداية الثمانينيات على وجه التحديد، وهو انبهار أعمى الحداثيين العرب عن إدراك الاختلافات، من ناحية، ودفعهم بسبب إيمانهم بضرورة تحقيق قطيعة معرفية مع الماضي كشرط لتحقيق الحداثة، إلى احتقار التراث من ناحية ثانية، ثم الوصول بالتبعية الثقافية للغرب إلى أبعد نقطة فيه من ناحية ثالثة. والنتيجة أن أصبح العقل العربي منفعلا وليس فاعلا.

وما دام العقل العربي نفسه أصبح مستباحا إلى هذا الحد، فلماذا لا تستباح أدواته وفي مقدمتها لغة التعبير؟ وهكذا ينتقل تحقير العقل العربي إلى تحقير اللغة العربية واتهامها بالقصور، إذ يتهمها بعض العرب وغير العرب بالقفز اللغوي، لأن « نظامها اللغوي »، حسب زعمهم « يخلو من الفئات التركيبيةGrammatical Catégories   الموجودة في اللغات الأخرى، ولاسيما الأوروبية منها، ويتبع هذا الاتهام بطبيعة الحال – وهو ما يرمون إليهاتهام فكري ومعرفي»[4]، وهكذا تكتمل دائرة الإدانة الجهنمية للعقل العربي وأدواته، فسواء كانت من المؤمنين بأن اللغة تسبق الفكر وأنه لا وجود للفكر قبل اللغة، أو أن اللغة أداة للتعبير عن الفكر، بمعنى أن الفكر سابق لوجود اللغة، فالعقل العربي في فكره ولغته عقل متخلف وقاصر.

ويزداد الشرخ اتساعا عند المثقف العربي المهموم بواقعه الفكري واللغوي، وهو يشاهد من حوله مثقفين ومفكرين يشعرون بدونية العقل العربي، فيرتمون في أحضان فكر الآخر، وينقلون عنه لغة ركيكة تؤكد تلك الدونية وتنشئها في آن. يحضرني هنا نص لشوقي ضيف يقول فيه:

« وحقا أن هذه التجارب التي نشير إليها تُكتب بلغتنا العربية، ولكن لا نقرأ فيها حتى نشعر أن الأعمدة التي تشد بناء لغتنا قد سقطت وهوت من أيدي أصحابها، فهو يكتبون بحروف وألفاظ يظنونها عربية أو هي كذلك، ولكن لا نقرأ فيها حتى نحس بالعجمة والشذوذ على ما ألفناه في أساليبنا وفي عربيتنا. وأكاد أقول إنهم يكتبون بلغة لا عربية، ولا غربية، أما إنها غير غربية فذلك شيء واضح لأنها لا تكتب بلغة الغرب، وأما إنها غير عربية فلأنها لا تكتب باللغة العربية المألوفة لنا»[5].

أين أخطأنا؟ جميع المؤشرات تشير في اتجاه الخلط المبكر بين التحديث التكنولوجي المادي والتحديث الثقافي، حينما وصل انبهارنا بالعقل الغربي – مع التقليل من شأن العقل العربي بدرجات متفاوتة بين الاحتقار والتجاهل – إلى تبني كل ما هو غربي بصرف النظر عن اختلافه، بل تفاهته بالنسبة للغربيين أنفسهم. « والنخبة عندنا »، كما يذكر شكري عياد، حتى في مجال الثقافة – تقنع عادة بـ« آخر » ما أنتجته المصانع الأوروبية أو الأمريكية، وقد تضع في أعز مكان من الصالون، ما يلقيه الغربيون على جانب الطريق[6].

لقد انتهى القرن العشرون وقد تربع الفكر الحداثي، بل ما بعد الحداثي، في أعز مكان في «صالون» الثقافة العربية بعد أن طرد بعضنا، ربما بحسن نية لا تغتفر، التراث العربي عبر النوافذ والأبواب، وأكدوا – وهنا تكمن ضخامة الجرم الثقافي الذي لا يغتفر من كل حسن النوايا – التبعية الثقافية لثقافة « الآخر » المختلفة، وحققوا المفارقة المؤلمة: ففي الوقت الذي ارتبطت الحداثة عامة بالرغبة في التحرر من قيود الماضي المكبلة لحرية الإبداع، انتهت الحداثة العربية، إلى إدارة ظهرها بالكلية للتراث الثقافي العربي، لتقع أسيرة لقيود جديدة، أكثر قهرا وأكثر إيلاما، وهي قيود التبعية للثقافة الغربية.

وإن أبرز صفات الحداثة الغربية وهي التسليم الكامل بسلطة العقل، إلى درجة يؤكد معها الجميع أن الحداثة في أحد معانيها الجوهرية صنو العقلنة أو العقلانية أو مرادف لها. وقد وصل إيمان الحداثة بالعقل ومنتجاته في الحضارة الغربية إلى درجة دفعت المرتدين على الحداثة نفسها، في مرحلة ما بعد الحداثة، إلى التمرد على التسليم بسلطة العقل الكاملة وسطوة العقلانية، لأنها من ناحية، انتهت إلى قهر الذات بدلا من تحريرها، ولأنها من ناحية ثانية، في إيمانها المطلق بأن العقل والعقلانية الإمبريقية ارتبطت بشرط القطيعة مع جميع ألوان الفكر الغيبي؛ أي أن الطريق المسدود الذي أوصلتنا إليه ما بعد الحداثة كان قد بدأ حقيقة مع الحداثة الغربية منذ بدايتها. وهذا ما يؤكده آلان تورين مبكرا في دراسته القيمة في [نقد الحداثة] عندما يحاول تقديم تعريف مبسط للحداثة الغربية، فيقول:

« كيف يمكننا الكلام عن المجتمع الحديث إلا إذا كان هناك مبدأ عام معترف به لتعريف الحداثة؟ من المستحيل أن نطلق كلمة «حديث» على مجتمع يسعى قبل كل شيء لأن ينتظم ويعمل طبقا لوحي إلهي أو جوهر قومي. وليست الحداثة أيضا مجرد تغيير أو تتابع أحداث: [ أي أنها لا ترتبط بالجدة بالضرورة] إنها انتشار لمنتجات النشاط العقلي، العلمية، التكنولوجية، الإداريةفالحداثة تستبعد أي غائية. إن العلمنة وإزاحة سحر الأوهام، التي يتحدث عنهما فيبرWeber  واللتين تحددان الحداثة باعتبارها عقلنة، تبرزان القطيعة الضرورية مع الغائية الدينية التي تنادي دوما بنهاية التاريخ، سواء عن طريق تحقق تام لمشروع إلهي أو اختفاء لإنسانية منحرفة لم تخلص لرسالتها »[7].

إن أخطر ما في هذه الصفة المبدئية والأساسية للحداثة، وهي جانب الاختلاف الأول الذي يجب أن ندركه لنبحث عن توازن أكثر خصوصية بثقافتنا بين « تحديث » الحداثة الغربية والقيم الدينية والروحية العربية، هي أنها « أحلت فكرة العلم » كما يقول تورين، «محل فكرة الله في قلب المجتمع »، وقصرت الاعتقادات الدينية على الحياة الخاصة بكل فرد. هذا من جهة، ومن جهة ثانية فإنه لا يكفي أن تكون هناك تطبيقات تكنولوجية للعلم لكي نتكلم عن مجتمع حديث.

إن القول بأن التطبيقات التكنولوجية للعلم لا تكفي لكي نتحدث عن مجتمع حديث، ينقلنا إلى محطة أخرى للاختلاف، وهي التغيرات التي طرأت على علاقات القوى الاجتماعية في المجتمعات الغربية منذ بداية الثورة الصناعية، بالإضافة إلى التحولات الفلسفية العديدة التي مر بها الفكر الأوروبي منذ بداية القرن السابع عشر، وكيف أدت في النهاية، وبصورة حتمية، إلى إنتاج الحداثة الغربية.

إن الحداثة الغربية كانت نتيجة منطقية للتحولات الاجتماعية والاقتصادية والفكرية التي مرت بها المجتمعات الغربية. أما نحن، فقد تبنينا النتائج النهائية للحداثة الغربية دون أن نعيش مقدماتها. النتائج الوحيدة التي كانت أمامنا هي التي تعتمد على مقدمات التراث العربي. كان من الممكن أن نُدخِل عليه كل ما شئنا من عمليات التحديث، من تطعيم ذكي بالتراث الغربي، واختيار حصيف لأفضل ما فيه، وكان من الممكن أن نمارس مع تراثنا جميع عمليات الاختيار والحذف Selection and Elimination، بدلا من تبني نتائج تعتمد على مقدمات – واقع حضاري وثقافي – ليست مقدماتنا. وهذا على وجه التحديد، ما أقلق سيد البحراوي في [ البحث عن المنهج ] حينما حاول أن يضع يده على أزمة الثقافة العربية، وهي أزمة تتمثل، من وجهة نظره، في أن لهفتنا للحاق بركب الحضارة الغربية، دفعتنا إلى تبني حلول الآخرين الجاهزة، الحلول الغربية دون أن نتوقف في كثير أو قليل عند الاختلاف لنسأل أنفسنا إذا كان واقعهم وأزمتهم، هو واقعنا وهي أزمتنا[8].

هذا التناقض الصارخ بين المقدمات والنتائج كان أبرز ما سجله شكري عياد، من زاوية مختلفة، حول مقولة مبكرة لإلياس خوري في مقاله « الذاكرة المفقودة » والذي نشر لأول مرة عام 1979 في مجلة مواقف. يقول فيها: « لم تطرح الحداثة في الثقافة العربية المعاصرة إلا ضمن إشكالية خاصة بها. فهي لم تكن صورة عن الحداثة الغربية، بل كانت محاولة عربية لصياغة الحداثة داخل مبنى ثقافي له خصوصياته التاريخية، ويعيش مشكلات نهضتهالحداثة العربية هي محاولة بحث عن شرعية المستقبل، بعد أن فقد الماضي شرعيته التاريخية في عالم توحده الرأسمالية الغربية بالقوة ». ولا يتردد شكري عياد في إبراز التناقض الواضح بين مقدمة خوري ونتيجته. إن خوري يقرر « أن للحداثة العربية خصوصيتها المرتبطة بتاريخ النهضة العربية. هذه هي المقدمة. فكيف أدت إلى النتيجة القائلة بأن هدف الحداثة العربية وشرعية وجودها يقومان على ضرورة التخلص من كل معوقات الماضي من أجل الانطلاق إلى المستقبل ». إن تناقضات خوري هنا وتناقضات من يحاولون تأصيل الحداثة الغربية داخل البيت الثقافي العربي تتمثل في إدراكهم، في حقيقة الأمر للاختلاف ومحاولة التحايل عليه وعلى القارئ. ولأن نتائجهم تقوم على مقدمات غير عربية فإنهم يحاولون تحقيق تزاوج زائف بين مقدمات ثقافة ونتائج ثقافة أخرى. وهذا عكس ما نقوم به في مشروعنا الثقافي والحضاري في قضايا فكرية معاصرة، إذ نهدف إلى تأصيل الحداثة العربية ذات المقدمات العربية ونتائجها الخاصة بها، كما نرمي إلى عصرنة التراث الذي هو منا وإلينا ولا يمكننا أن نستغني عنه أو نستبدله بحداثة وثقافة لا ننتمي إليها. وهذا حتى لا نقع في انفصام ثقافي وحضاري وهوية ممزوجة لا هي شرقية ولا غربية.

إلا أنني أشير هنا.. أنه إذا كانت الحداثة، على حد قول تورين، « تربط التقدم بالثقافة وتعارض الثقافات أو المجتمعات التقليدية بالثقافات أو المجتمعات الحديثة وتفسر كل حدث اجتماعي أو ثقافي بمكانه على محور التراث – الحداثة، فإن ما بعد الحداثة تفصل ما ارتبط»[9]. واللافت للنظر أن تأكيد خطورة التغاضي عن الاختلاف يقوم به مفكرون غربيون، مثل تورين، بنمط أكثر تكرارا من التحذيرات العربية. بعض هؤلاء المفكرين الذين ينقضون الحداثة وما بعد الحداثة من داخلها، من داخل البيت الغربي ذاته، يؤكدون الاختلاف، ويحذرون من أخطار التبعية، ولا يترددون أحيانا في فضح تناقضات الحالة الحداثية وما بعد الحداثية الغربية.

إن التناقضات الكامنة في مجتمع ما بعد الحداثة الغربي، تكفي في حد ذاتها لإنهاء حالة الانبهار بالعقل الغربي ومنجزاته، وتؤكد في الوقت نفسه، أن مجتمع ما بعد الحداثة ليس هو الجنة الموعودة التي يحاول مثقفو العالم الثالث نقلها أو محاكاتها. وحينما تندفع دول العالم الثالث في اتجاه ما بعد الحداثة الغربية دون أن تتوافر لها الحالة الاقتصادية والاجتماعية التي أفرزت ما بعد الحداثة الأوروبية – الأمريكية. أو حينما تتبنى نتائج تقوم على مقدمات ليست مقدماتها، فإن النتيجة حالة فصام مَرضية.

لكن من أبرز جوانب الاختلاف التي لم ندركها، وربما تكون السبب الأساسي لمراوغة ما بعد الحداثيين العرب وتهربهم من الاعتراف بتحولهم من الحداثة إلى ما بعدها، هو حالة الشك وفقدان اليقين، بعد أن سقطت الآلهة الجديدة: المادة، والعلم، والعقل، وفشلت في تفسير الكون أو تحقيق السعادة للإنسان. لقد وصل الإنسان في شكه في العقل وسيادته ورفضه ليقينية العلم التجريبي لا إلى الشك في الأمور الميتافيزيقية فقط، بل إلى الشك حتى في الحقائق العلمية القائمة على التجريب والقابلة للاختبار. ولهذا لم يكن غريبا أن يخلص آلان تورين، في نهاية نقده للحداثة الغربية، إلى أن العالم الغربي اليوم، الذي ينبهر بعضنا بإنجازاته الحداثية وما بعد الحداثية إلى درجة العمى عن إدراك الاختلاف، هذا العالم قد بدأ مرحلة الحنين إلى الماضي، ماضي التقاليد والنظام والتوازن الصريح بين منجزات العقل وتحقيق الذات والقيم الدينية، بعد أن اقترب العالم الغربي نفسه من حالة الهمجية والفوضى. ويزداد الحنين حدة في الثقافات التي فرضت عليها الحداثة وما بعد الحداثة من الخارج عن طريق قوة استعمار قاهرة. يقول تورين:

« لم يعد لدينا ثقة في العالم. لم نعد نؤمن بأن الثراء يقود إلى تحقيق الديمقراطية والسعادة. لقد ذهبت الصورة التحررية للعقل وأعقبها الخوف من العقلنة التي تؤدي إلى تركيز سلطة القرار في القمة. ويزداد خوفنامن عدم المساواة على المستوى العالمي وأن تفرض على الجميع سباقا مهلكا تجاه التغيير. يظهر خلف هذه المخاوف شك عميق: أن تكون الإنسانية بإزاء فض تحالفها مع الطبيعة وتتحول إلى همجيةيتحسر البعض على مجتمع التقاليد بشفراته ومراتبيته وطقوسهلاسيما في البلاد التي جاءها التحديث من الخارج على يد المستعمرين أو المستبدين. ويستدير البعض تجاه الرؤية العقلانية للعالم، علمانية كانت أو دينية، والتي تدعو البشر إلى ترقية العقل الذي يخضع لنفس القوانين التي يخضع لها الكون»[10].

فإذا كان أصحاب الحداثة الغربية أنفسهم يشعرون بالحنين  Nostalgia  إلى الماضي بمراتبيته وطقوسه، فكيف بنا، بكامل إرادتنا، ندخل السباق المهلك للتغيير القائم بالدرجة الأولى على تحقيق قطيعة معرفية مع الماضي.

فهل الماضي إذن هو التراث؟ وهل لنا أن ندير ظهورنا إلى التراث أو الماضي، ثم ندعو التطلع إلى الحاضر والمستقبل؟ يقول محمد عابد الجابري في تعريفه للتراث: « التراث هو كل ما هو حاضر فينا أو معنا من الماضي، سواء ماضينا أم ماضي غيرنا، سواء القريب منه أم البعيد» هذا التعريف عام كما تلاحظون، فهو يشمل التراث المعنوي، من فكر وسلوك، والتراث المادي، كالآثار وغيرها، ويشمل التراث القومي ( ما هو حاضر فينا من ماضينا ) والتراث الإنساني ( ما هو حاضر فينا من ماضي غيرنا )، كما يربط تراث الماضي بالحاضر مباشرة: فليس التراث هو ما ينتمي إلى الماضي البعيد وحسب، بل هو أيضا ما ينتمي إلى الماضي القريب. و« الماضي القريب » متصل بالحاضر، والحاضر مجاله ضيق، فهو نقطة اتصال الماضي بالمستقبل. وإذن فما فينا أو معنا من حاضرنا، من جهة اتصاله بالماضي، هو تراث أيضا[11]. وهكذا فإذا كان « الإرث » أو « الميراث » هو عنوان اختفاء الأب وحلول الابن محله، فإن « التراث » قد أصبح بالنسبة للوعي العربي المعاصر، عنوانا على حضور الأب في الابن، حضور السلف في الخلف، حضور الماضي في الحاضرذلك هو المضمون، الحي في النفوس، الحاضر في الوعي، الذي يعطي للثقافة العربية الإسلامية وعنصرا أساسيا ورئيسيا من عناصر وحدتها. ومن هنا ينظر إلى « التراث » لا على أنه بقايا ثقافة الماضي، بل على أنه «تَمامُ» هذه الثقافة وكليتها: إنه العقيدة والشريعة، واللغة والأدب، والعقل والذهنية، والحنين والتطلعات، وبعبارة أخرى إنه في آن واحد: المعرفي والأيديولوجي وأساسهما العقلي وبطانتهما الوجدانية في الثقافة العربية الإسلامية[12].

إننا نواجه تحدياً حضارياً يفرض علينا تصنيف الأشياء إلى صنفين: ما يساعد على التقدم ويدفع عجلة التطور إلى الأمام، وما يفعل العكس أو من شأنه أن يفعل ذلك. وعناصر التقدم، والعناصر المعاكسة له، موجودة في كل أصناف تراثنا، في الفكر الأشعري والفكر المعتزلي والفكر الشيعي والفكر الفلسفي وجميع المذاهب الفقهية ما كتب لها الانتشار وما بقي محصوراً في نطاق محدود. ولذلك فلا معنى للتشبث في الوقت الحاضر باتجاه من هذه الاتجاهات أو مذهب من هذه المذاهب، وكأنه وحده الممثل « الحقيقي » للتراث. ولا معنى كذلك لتصنيف الإسلام إلى صنفين: « إسلام السنة » و «إسلام الشيعة»، كما يفعل بعض المستشرقين. فالإسلام واحد، عقيدةً وشريعةً وتاريخاً، والتعدد في المذاهب والاتجاهات والدول والإمارات، سيفقد معناه إذا نظر إليه خارج الوحدة، وحدة الإسلام، وحدة التراث، ككل. إن التعدد نشأة داخل الوحدة، لا خارجها، وكانت إشكاليته هي تحقيق وحدة أمتن وأفضل لا تفتيت الوحدة.

وعندما يتعلق الأمر بتراث كالتراث العربي الإسلامي، لابد من مراعاة كاملة لخصوصيته. وأحد عناصر هذه الخصوصية هو: العالمية والشمولية. إن التراث العربي الإسلامي عالمي بمعنى أنه تراث حضارة عالمية، حضارة الإنسانية في فترة من فترات تاريخها. إن الثقافة العربية الإسلامية كانت تمثل خلال أوج ازدهارها ثقافة عصر على مستوى عالمي. فلم تكن محدودة ولا منغلقة كثقافة الهند أو الصين أو الفرس، بل بالعكس، كانت ثقافة متفتحة قابلة لاستيعاب كل أنواع الثقافات التي احتكت بها، ومن هنا عالميتها.

والتراث العربي الإسلامي، فضلا عن طابعه العالمي الإنساني، تراث يتصف بطابع الشمولية. فهو يتناول جميع مناحي الحياة الجماعية والفردية، الاجتماعية والفكرية. إنه تراث حضاري بأوسع معاني كلمة حضارة، ولذلك ما يزال يطبع جوانب أساسية وكثيرة من حياتنا كأفراد أو جماعات.

وإذن، فالطابع العالمي لتراثنا العربي الإسلامي والطابع العالمي للفكر الأوروبي المعاصر، يجعلان طرح الأصالة في مقابل المعاصرة، والتي نهدفها في تحليلنا وتوضيحنا لمشروعنا التنويري من أجل تأصيل الحداثة وعصرنة التراث، هذه المقابلة هي بمثابة وضع الفكر الإنساني في مقابل نفسه، تحت تأطيرات واهية قومية أو دينية أو حضارية مزعومة. ولعل الذين يضعون الأصالة في مقابل المعاصرة، يفهمون من الكلمتين شيئا آخر غير معناهما الحقيقي.

إن الأصالة – مثلها مثل المعاصرة – لا تدل على شيء، فهي ليست ذاتا، ولا واقعا، -على حد قول الجابري – إنها صفة أو سمة لكل عمل يدوي أو فكري يبرز فيه جانب الإبداع بشكل من الأشكال. فالإنتاج الأصيل قد يكون قديما وقد يكون معاصرا. والأصالة فوق ذلك لا تعدم أصولا. فليست خلقاً من لا شيء، بل هي في الغالب صياغة جديدة معبِّرة، لجملة من العناصر أو الأصول المعروفة، إنها عملية دمج تعطي كائنا أو بنية جديدين. وعملية الدمج، هذه الغنية المعقدة، التي تطبعها الذات الدامجة بطابعها، هي ما يميز الإنتاج الأصيل من « الإنتاج » الدخيل. والأصيل بعد ذلك لا يكون أصيلا إلا إذا كان ذا دلالة في الحاضر. والجوانب الأصيلة في أية ثقافة، هي تلك التي نستطيع أن نتبين فيها، ليس فقط التعبير القوي المبدع عن بعض معطيات الماضي، بل أيضا التي تستطيع أن توحي لنا بنوع من التعبير جديد عن معطيات الحاضر. الثقافة الأصيلة هي التي يجد فيها الحاضر مكانا فيما تحكيه عن الماضي، دون أن تحجب آفاق المستقبل. إنها تساعد على تأسيس الحاضر في اتجاه المستقبل، لا في اتجاه الماضي.

وبالمثل، فالفكر العالمي المعاصر ليس كله « معاصرا » بالنسبة لنا. فالمعاصرة بالنسبة لنا يجب أن تتحدد، لا بالزمان، بل بالتعاطف والتواصل. هو معاصر لنا ما يمكن أن يساعدنا على حل مشاكلنا أو على اكتساب رؤية واعية صحيحة للقضايا التي تواجهنا إقليميا وعربيا ودوليا. إن العالم اليوم منقسم إلى معسكرين: معسكر القوى الاشتراكية والقوى الوطنية التحريرية والقوى الديمقراطية ( سواء داخل الغرب أو خارجه )، ومعسكر القوى الرأسمالية والإمبريالية والذيول التابعة لها أو السائرة في ركابها ( في الشرق أو في الغرب ). والفكر العالمي المعاصر يعكس الصراع بين هذه القوى في نفس الوقت الذي يستعمل فيه كسلاح في هذا الصراع نفسه. فإذا حددنا موقعنا من هذا الصراع سهل علينا أن نتبين أي الجوانب هي أكثر « معاصرة »، لنا في الأيديولوجيات وأنماط التفكير السائدة.

وهكذا، فموقفنا من التراث ومن الفكر العالمي المعاصر يجب أن يكون موقفا واحدا يحدده ويوجهه الموقع الذي نحتله في حلبة الصراع كشعوب تناضل من أجل تركيز شخصيتها، وبناء حاضرها ومستقبلها في اتجاه التطور التاريخي العام، اتجاه التحرير والديمقراطية والاشتراكية[13].

وإذن، فعندما نتحدث عن الماضي أو الحاضر أو المستقبل، يجب أن نصدر في ذلك عن رؤية واضحة واعية: إن الماضي والمستقبل، هما كالحاضر، ليسا واقعين جامدين، ولا شَبَحين ملفوفين في كتلة من الضباب، بل هما صيرورة وحركة. إن الأمر يتعلق بتاريخ هو أساسا تاريخ صراع يعكس ويخدم مصالح ومطامح فئات وطبقات مختلفة، سواء على المستوى القومي أو المستوى العالمي. وهذا يعني أن الرؤية الصحيحة لقضية الأصالة والمعاصرة، هي تلك التي تأخذ بحسبانها تاريخية الثقافة والفكر. إن الفكر العربي الإسلامي – وقد كان عالميا في عصره ولازال يحتفظ ببعض عناصر عالميته – والفكر الأوروبي المعاصر – وهو عالمي في عصرنا – ينتظمهما قاسم مشترك ذو محورين متوازيين: محور العالمية، ومحور المصالح القومية والطبقية، سواء على المستوى الإقليمي أو الدولي. ونحن الذي نعيش مرحلة دقيقة من تاريخنا، مرحلة التحول المصحوب باهتزاز، لن نستطيع تثبيت كياننا وبناء مستقبلنا إلا إذا عالجنا العلاقة بين تراثنا وثقافة العصر معالجة فاعلة، لا انفعالية، أساسها نظرة جدلية واعية، ومن هنا ضرورة إعادة « قراءة » التراث والفكر العربي المعاصر برؤية جديدة، رؤية شمولية، جدلية، تاريخية، لا تقتل الخاص في العام، ولا تتقوقع في الخاص على حساب العام. 

&

مما لا شك فيه أن مشروع التنوير في العالم العربي له شرعيته، وهي شرعية سيظل محتفظا بها لبعض أجيال قادمة. وليس الأمر مقصورا على منطقتنا، إذ إن شرعية التنوير قائمة وضرورية في أي منطقة من العالم تحارب شعوبها معركة، تختلف في حدتها وضراوتها من منطقة إلى أخرى، ضد الخرافة والتفكير الخرافي من أجل العلم وسيادة العقل. والقول بغير ذلك حكم أكيد بالموت في عالم يأكل فيه القوي الضعيف. ثم إن البحث عن الهوية الثقافية لا يعني العزلة وإغلاق النوافذ والأبواب – حتى لو افترضنا أن هذا اختيار ممكن – ورأبَ الصدع والخروج من مأزق ثقافة الشرخ لا يعنيان أن ندفن رؤوسنا في الرمال متظاهرين بأن العالم من حولنا، العالم الذي يموج بالتحولات والتغيرات، لا وجود له. فهو موجود بكل تحولاته وتغيراته، من ناحية، ويقول النظام العالمي الجديد والعولمة بفرض هذه التحولات والتغيرات علينا شئنا أم أبينا، من ناحية ثانية. وإذا لم نتعامل مع حقائق الواقع الجديد فسوف يتحول الشرخ إلى قنبلة تفجرنا من الداخل.

لكننا ونحن نؤكد شرعية مشروع التنوير الثقافي والحضاري، نلفت النظر، في الوقت نفسه، إلى الدعوة القوية التي ارتفعت في قلب الحضارة الغربية ذاتها إلى تصفية المشروع التنويري بعد أن أوصلت سيادة العقل والعلم هذه الحضارة إلى طريق مسدود أبرز علاماته كبت الذات، التي قام المشروع التنويري لتحريرها أصلا، بالإضافة إلى سيادة القيم المادية، قيم السوق ورأس المال، والتَّفتت والتشرذم والتراجع المؤسي للقيم الروحية. من أبرز ملامح الدعوات لتصفية المشروع التنويري الغربي، تلك الدعوة القوية التي ظهرت في السنوات الأخيرة من القرن العشرين للعودة إلى القيم الروحية التقليدية، أو لضرورة تطوير حداثة لا تفصل بالضرورة بين سيادة العقل والفكر العلمي وبين الدين، وبتعبيرنا “تأصيل الحداثة”. وهذا اختيار مازال، لحسن الحظ، قائما بالنسبة لنا، مشروع التنوير الغربي استغرق أكثر من ثلاثة قرون في تاريخ الفكر الغربي قبل أن يدرك العقل الغربي صلابة الحائط الذي يواجه الحضارة الغربية في نهاية الطريق. أما نحن فمازالت أمامنا حرية الاختيار والانتقاء، على الأقل: اختيار ألا نلفي بأنفسنا في أحضان الحداثة الغربية في انبهار كامل وعمى شامل عن مأزق تلك الحداثة نفسها.

الواقع أن الاختيارات أمامنا كثيرة، بل إن البعض قد اتخذ قراره بالفعل بشأنها تحت ضغوط الرغبة المحمومة في « التحديث »، وكلما زادت انكسارات العقل العربي وهزائمه، اندفعنا في طريق تحديث ذلك العقل في حماس ينسينا أي حسابات متأنية. ومما لا شك فيه أن التحديث قدرنا، وهو قدر يحتِّمه الظرف التاريخي للحضارة العربية. لكن كون التحديث قدرا شيء، وتحول ذلك التحديث إلى حداثة غربية شيء آخر. ويهمنا هنا أن نؤكد أننا لا نتخذ موقفا ضديا من « التحديث » أو « الحداثة » في حد ذاتهما، لكننا بالقطع نرفض الارتماء في أحضان الحداثة الغربية في تجاهل شبه كامل لورطتها ومأزقها من ناحية، ولخصوصية الثقافة العربية، من ناحية أخرى. ورطة الحداثة الغربية تتمثل في أنها بعد سنوات طويلة من سيادة العلم الذي تحكمه قوانين المادة والتجريب الإمبريقي، وصلت إلى مرحلة أدرك معها العقل الغربي، أن العلم ، بهذا المعنى المحدد، فشل في تفسير كل ظواهر الوجود، كما أسلفنا، بل فشل في تحقيق السعادة للإنسان وتحول إلى الشك الكامل والشامل في كل شيء، ولم تعد هناك سلطة تعلو على سلطة الذات الفردية.

أول الاختيارات المطروحة أمامنا أن نبدأ حيث انتهى العقل الغربي من رفض للعلم بذلك المعنى الضيق. أرجو ألا يتسرع أحد ليتهمنا بالتخريف أو الارتداد عن قيم العلم والعقل. العلم الذي نرفضه، والذي وصل العقل الغربي نفسه إلى رفضه أخيرا في مواجهة الهوة التي لا قرار لها، أو الحائط الصلد في نهاية الطريق، هو العلم الذي لا يخضع إلا لقوانين المادة، العلم الذي يفسر كل الظواهر على أساس مادي تجريبي، فيقبل ما يثبت التجريب الإمبريقي وجوده وصحته، ويرفض ما يثبت التجريب الإمبريقي عدم وجوده أو صحته، أو حتى ما لا يقبل القياس أو الحكم التجريبي.

كما أرجو ألا يفسر أحد الحديث عن العلم، باعتباره دعوة للردة إلى عصور الجهالة والظلام، فقد حقق العقل البشري باستخدامه لمناهج التفكير العلمي ثم بتسخير نتائجه في تطبيقات تكنولوجية، الكثير للبشرية. وحاجتنا نحن إلى العلم، في عالم لا مكان فيه للضعفاء، أكبر من أن تحد، خاصة أن تحديث العقل العربي وواقعه ضرورة ملحة. إن ما نحذر منه على وجه التحديد هو ذلك الخلط الواضح بين « التحديث » و « الحداثة » في صورتهما الغربية. ما نتحدث عنه هو ضرورة وضع ضوابط للتحديث والتدقيق في الأخذ عن الثقافة الغربية، بل « ضبط عملية الانبهار بالغرب »، كما يقول شكري عزيز الماضي في [من إشكاليات النقد العربي الجديد]، بعد أن وصل الانبهار بالفكر الغربي إلى درجة تهدد بخطر مزدوج: هو انمحاء الهوية الثقافية العربية من ناحية، وتأكيد التبعية للثقافة الغربية وترسيخها، من ناحية ثانية، فهو يقول:

« وكل هذا يؤكد الأزمة واستفحالها في الربع الأخير من القرن العشرين. وأحسب أن هذه المخاطر نتاج لأسباب عديدة ( نقدية، ثقافية، مجتمعية ). كما أحسب أنها تفرض ضرورة تجسيد خصوصية الصوت الأدبي والنقدي العربي، وضبط عملية الانبهار بالغرب: لأن هذه العملية تؤدي إلى مفهوم مسطح للعالمية وتبدد طاقات إبداعية كبيرة. مع التأكيد بأن تجسيد خصوصية الصوت العربي والنقدي أمر لا يتعارض ولا يتنافى مع الانتماء للحركة النقدية، بل تؤدي، أو يجب أن تؤدي، إلى إنمائها. وفي المقابل فإن تغييب الخصوصية يعني الاندماج بالآخر وهو أمر يتقاطع، ويلتقي بالتحليل الأخير، مع الانغلاق»[14].

ولا أكون مبالغا، إذا اعترفت هنا، بأن موقف شكري عزيز في السطور السابقة، يلخص موقفنا من « ألفه » إلى « يائه »، إذ أن المشروع في جوهره صرخة من القلب، صرخة استغاثة موجهة للمثقفين ورجال الفكر العرب بقدر ما هو رفض لما يحدث حولنا.

والموقف الذي نتبناه في كل مقالاتنا وبحوثنا يقوم على إدراك كامل لتلك النقطة الدقيقة عند مفترق الطرق، حيث يجب أن نختار ونحدد، مَن نحن؟ وماذا نريد؟ وفي أي اتجاه يجب أن نتحرك؟. مدخلات الموقف التي يجب أن تحدد اختيارنا أو اختياراتنا هي:

أولا: نحن لا نستطيع، حتى لو أردنا، أن ننفصل عن الواقع العالمي الجديد والعولمة القادمة والقائمة، وقد أصبحت العزلة، كما نكرر دائما، ترفا مستحيلا، فنحن جزء من هذا العالم.

ثانيا: إنجازات العقل الغربي خاصة من مسافة الحضارات الأقل تطورا، إنجازات باهرة بكل المقاييس، وهو انبهار كفيل بحجب سلبيات تلك الإنجازات.

ثالثا: إن لواقعنا الثقافي خصوصية لا نستطيع أن نتجاهلها بحجة أننا جزء من العالم بنظامه الجديد، من ناحية، وأن واقعنا الثقافي واقع متخلف، من ناحية ثانية.

رابعا: إن اختيار اتجاه الحداثة الغربية يعني القطيعة مع تراثنا وإدارة ظهورنا له تماما، لأن القطيعة مع الماضي والتمرد عليه جوهر الاختيار الحداثي.

خامسا: إن كوننا جزءا من العالم الجديد، وإدراكنا لحتمية العولمة، وأنها كما تقول الشواهد حتى الآن، هي القدر الداهم، تؤكد حاجتنا إلى تأكيد خصوصيتنا في مواجهة الأخطار القادمة والقائمة، أخطار التبعية وانمحاء الهوية.

تلك هي « مدخلات » الموقف الذي يجب أن نخرج منه باختيار واضح وسليم، وإلا فلنواجه الطوفان.

نعم الأصالة والمعاصرة هي الحل، ولكن عن أي أصالة ومعاصرة نتحدث؟ هل نتحدث عن الشعار الذي فُرِّغ من معناه ولم تعد العلاقة بين شطريه؟

إن الأصالة التي نتحدث عنها، في مواجهة المعاصرة، لا يقصد بها، ولا ينبغي أن يقصد بها، العودة للتراث ودراسته وقتله بحثا، ثم تجميده فوق رف من رفوف الذاكرة الثقافية البعيدة والمنسية. فالتراث هو تراثنا نحن، وهو جزء منا « أخرجناه » عن ذواتنا لا لنلقي به هناك بعيدا عنا، لا لنتفرج فيه تفرج الأنثروبولوجي في منشآته « الحضارية » و« البنيوية » ولا لنتأمله تأمل الفيلسوف لصروحه الفكرية المجردةبل فصلناه عنا من أجل أن نعيده إلينا في صورة جديدة، وبعلاقات جديدة من أجل أن نجعله معاصرا لنا على صعيد الفهم والمعقولية، على صعيد التوظيف الفكري والأيديولوجي ( ولما لا إذا كان هذا التوظيف سيتم بروح نقدية ومن منظور عقلاني ؟ ). وهذا أفضل ما استطاع الجادون المتميزون من نقادنا تحقيقه، إذ إن هؤلاء يعودون إلى التراث ليلقوا الضوء على كنوزه ويضعوا أيديهم على أفضل إنجازاته، لكنهم حينما يتحولون إلى التنظير – وما أقله – أو التطبيق – وما أكثره – يستخدمون المصطلح النقدي الغربي الباهر برغم أنهم يدركون جيدا، وأكثر من غيرهم، أنهم كانوا يستطيعون استخدام مصطلحات عربية أصيلة، أو تطوير مصطلح نقدي عربي، بدلا من نقل المصطلح الأجنبي بعوالقه المعرفية أو قيمه المعرفية الغربية إلى الثقافة العربية. ولا يمكن أن نسمي تلك الممارسات « أصالة » بأي معنى من معانيها. إن ما نتحدث عنه هو الأصالة التي تمكن العقل العربي اليوم من تطوير « هوية واقية »، كما نبه عباس محمود العقاد منذ منتصف القرن العشرين، في مواجهة الأخطار القادمة مع النقل عن الغرب دون تمييز، بعد أن « تبين أن الهوية الواقية كانت ألزم للعالم العربي في هذا الدور ( النصف الثاني من القرن العشرين ) مما كانت في جميع الأدوار الماضية منذ ابتداء النهضة في العصر الحديث. فإن الدعوات العالمية خليقة أن تجور على كيان القومية وأن نؤول بها إلى فناء كفناء المغلوب في الغالب »[15]. وأهمية كلمة العقاد لا ترجع إلى أهمية التحذير في حد ذاته فقط، بل إن صاحبها أيضا أبرز مفكري الجيل المبكر الذي تبنى الدعوة للانفتاح على الثقافة الغربية، ولم تخلُ كلماته في الفترة المبكرة من نغمة احتقار واضحة للثقافة العربية. والمؤسي حقا أن ما تخوف العقاد من حدوثه، حدث بالفعل في العقدين الأخيرين من القرن العشرين، بعد أن أدت معادلة الانبهار بإنجازات العقل الغربي والاحتقار المقابل لإنجازات العقل العربي إلى فقدان الثقافة العربية لهويتها الواقية.

وقد حدث ذلك في سياق مفارقة غريبة يرفض الكثيرون من الحداثيين العرب أن يعترفوا بها، بل يسارعون إلى اتهام كل من يواجهه بها بالجهل والرجعية والأصولية والانعزالية، الجانب الأول من المفارقة يتمثل في أن التحول عن التراث العربي وإنجازات العقل العربي، إلى الثقافة الغربية وإنجازات العقل الغربي، يعني التسليم صراحة بإفلاس الثقافة العربية وتخلف العقل العربي. أما الطرف الآخر في المفارقة، فيتمثل في فشلهم في تقديم بديل مقنع يملأ الفراغ الذي خلقه تحولهم. فالمدارس النقدية، على وجه التخصيص، التي أفرزها الفكر الحداثي وما بعد الحداثي الغربي، كانت إنجازاتها في بلاد النشأة ذاتها، إنجازات ضئيلة ومتواضعة، لم تتجاوز إعادة تغليف مقولات نقدية قديمة في لفائف جديدة أكثر بريقا ولفتا للأنظار. وليس هذا هو رأينا وحده، لأنه رأي أجمع عليه من قاموا بنقض تلك المشاريع والإستراتيجيات النقدية من داخل البيت الغربي. وفي الوقت نفسه، فقد كانت العزلة والغموض قدر تلك المشاريع والإستراتيجيات في بلاد النشأة منذ البداية. ولم يكن حظ تلك المشاريع والإستراتيجيات المستوردة أفضل في الثقافة العربية منها في الثقافات التي أفرزتها، بل إنها أسوأ حالا وحظا. لقد تحول الغموض الأصلي إلى معميات وطلاسم زاد من إبهامها سوء الفهم، وسوء النقل وسوء الترجمة، بالإضافة إلى نقطة الضعف المبدئية في النقل عن الحداثة الغربية، وهو أن المصطلح النقدي والمفهوم الذي يعبر عنه كان مقدرا له بمجرد نقله بعوالقه المعرفية أن يجيء غريبا إلى الثقافة العربية. وإذا كان من نقضوا المذاهب النقدية داخل الثقافة الغربية ذاتها اتهموا أصحاب تلك المذاهب بأنهم نخبة يكتبون لأنفسهم فقط، فقد كانت الحال أسوأ في الواقع الثقافي العربي. وهكذا أضاف الحداثيون العرب إلى الأزمة الأصلية للحداثة الغربية أزمة خاصة بهم. وإذا كان البعض يلتمس العذر للحداثيين العرب في حماسهم لإنجاز العقل الغربي باعتباره المُخرِج المعقول – آنذاك – للعقل العربي من ورطته بعد هزيمة 67، فإن ما حققه الحداثيون العرب بعد ذلك جاء عكس توقعاتهم جميعا، إذ كان من المفروض أن تكون « الحداثة »، مدخلا « لتحديث » العقل العربي وبداية نهضة ثقافية وتكنولوجية جديدة، وهي نهضة تتطلب التفاف القاعدة العريضة حول قادة الفكر هؤلاء، حتى يتحقق التحديث الشامل. ولكنهم، بسبب سوء النقل والغموض من ناحية، وفشلهم في إدراك خصوصية الثقافة العربية من ناحية ثانية، انتهوا إلى تكريس ثنائية أو ازدواجية الثقافة العربية وتعميق « الشرخ » بدلا من رأب الصدع، بعد أن فشلوا في إغراء الجماهير العربية العريضة بالسير وراءهم. وأصبحوا في نهاية الأمر مجموعة منعزلة يكتبون لأنفسهم فقط.

وما أردنا أن نكون مثل هؤلاء، وما نرضى بالنتيجة التي وصلوا إليها، بل كل ما نريده في كل ما كتبناه، وما نسعى له في كل ما قلناه، هو محاولة جديدة لبناء مشروع جديد، مشرع تنويري ثقافي حضاري، في قضايا فكرية معاصرة من أجل تأصيل الحداثة العربية والرجوع بها إلى المصدر الأصلي الذي لا يعرف تحريفا و لا زيفا، إنه المصدر الرباني، والوحي الإلهي القرآن الكريم والسنة النبوية الطاهرة ) ولقد كان لكم في رسول الله أُسوةٌ حسنةٌ لمن كان يرجو الله واليومَ الآخر وذَكر الله كثيرا([16]، وفي الحديث : « عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ »[17]، وأيضا عصرنة التراث وإخراجه إلى الواقع ووصله بالأحداث المتعاقبة والمتزامنة لعصرنا الراهن من أجل الأخذ عنه والاستفادة منه، وألا نتركه في الرفوف والمتاحف وفي أماكن لا يرتضيها هو ولا أهله، ونحن أدرى بشؤون دنيانا كما قال الرسولe: « أنتم أعلم بأمر دنياكم»[18].

وخلاصة القول..أن اللحظة الراهنة في تاريخنا العربي الحديث ما زالت لحظة نهضوية، مازلنا نحلم بالنهضةوالنهضة لا تنطلق من فراغ، بل لابد فيها من الانتظام في تراث. والشعوب لا تحقق نهضتها بالانتظام في تراث غيرها، بل بالانتظام في تراثها هي. تراث «الغير»، صانع الحضارة الحديثة، تراث ماضيه وحاضره، ضروري لنا فعلا، ولكن لا كتراث نندمج فيه ونذوب في دروبه ومتعرجاته، بل كمكتسبات إنسانية، علمية ومنهجية، متجددة ومتطورة، لابد لنا منها في عملية الانتظام الواعي العقلاني النقدي في تراثنا. إن من الشروط الضرورية لنهضتنا تحديث فكرنا وتجديد أدوات تفكيرنا وصولا إلى تشييد ثقافة عربية معاصرة وأصيلة معا. وتجديد الفكر لا يمكن أن يتم إلا من داخل الثقافة التي ينتمي إليها، إذا هو أراد الارتباط بهذه الثقافة والعمل على خدمتها. وعندما يتعلق الأمر بفكر شعب أو أمة، فإن عملية التجديد لا يمكن أن تتم إلا بالحَفْرِ داخل ثقافة هذه الأمة، إلا بالتعامل العقلاني النقدي مع ماضيها وحاضرها. يقول محمد عابد الجابري: « إنه بممارسة العقلانية النقدية وبالمعطيات المنهجية لعصرنا، وبهذه الممارسة وحدها، يمكن أن نزرع في ثقافتنا الراهنة روحا نقدية جديدة وعقلانية مطابقة: الشرطين الضرورين لكل نهضة »[19].

وعندما نتحدث عن « المشروع التنويري النهضوي للثقافة والحضارة العربية والإسلامية »، فنحن نتحدث عن مشروع كلي، عام. مشروع يروم تحقيق « النهضة » في كافة المجالات، الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية، ويقترح سبلا ووسائل لتحقيق أهدافه ومطامحه تكون على هذه الدرجة أو تلك من التنوع والنجاعة. وإذا نحن أردنا إيجاد أبعاد هذا المشروع كما فكر فيه رواده الأوائل في القرن التاسع عشر وكما استمر موضوعا للتفكير خلال هذا القرن، قلنا إنه نزوع، أي طموح وعمل، من أجل « الوحدة والتقدم » بتعبيرنا اليوم، أو « الاتحاد والترقي » بتعبير رواده أمس[20].

أما القراءة الأصيلة للحداثة والعصرية للتراث التي نقترحها ونؤكد عليها في مشروعنا التنويري النهضوي للثقافة والحضارة العربية والإسلامية، تهدف إلى جعل المقروء أصيلا ومعاصرا لنفسه، على صعيد الإشكالية النظرية، والمحتوى المعرفي، والمضمون الأيديولوجي، أي قراءتهما في محيطهما الاجتماعي التاريخي من جهة، وفي نفس الوقت جعلهما أصيلا ومعاصرا لنا من جهة أخرى، على صعيد الفهم والمعقوليةوهذا فيما أعتقد هو المعنى الحقيقي والعميق لـ«الاجتهاد»كما مارسه كبار علماء الإسلام، ولكن مع تلوينات وتنويعات وتفريعات تختلف باختلاف الموضوعات. أما القوالب الجاهزة الجامدة، سواء أكانت قديمة أم حديثة، فهي لا تملك أن تقدم غير شيء واحد هو القراءة التراثية للتراث – على حد قول الجابري – التي تجر حتما إلى القراءة التراثية للعصر: قراءة عصرنا بنفس تراثنا أو بتراث الآخر وثقافة أخرى.

وبعد، فالأصالة والمعاصرة لا تنفصلان: إن من ينشد الأصالة بدون معاصرة كمن ينشد المعاصرة بدون الأصالة: الأول مقلد والثاني تابع، بل كلاهما تابع ومقلد. والشرط الضروري لتجديد العقل العربي وتحديث الفكر العربي وتغيير الوضع العربي هو كسر قيود التقليد وقطع خيوط التبعية. إنه « الاستقلال التاريخي » الذي لا ينال إلا بممارسة النقد البناء المتواصل للذات وللآخر، أيا كان هذا الآخر. والنقد لا يعني الرفض الميكانيكي، بل هو أساساً تفكيك للسلطة التي يمارسها الخطاب على المخاطب. إنه بذلك نتمكن من جعل المقروء أصيلا ومعاصرا لنفسه، وأصيلا ومعاصرا لنا في آن واحد.   

وقد ينتقدنا البعض في مسألة الحداثة والتحديث، ويستشهد بالحديث الذي يقول فيه الرسولe: « كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار»[21]. فنجيب عنه ونقول: إن ما يرفضه الإسلام، بنص الحديث المذكور، هي الأمور المحدثة في الدين بقصد التعبد، وإن المقياس عند جمهور الفقهاء هو القصد والنية، أما تلك التي يبتكرها الإنسان من أجل راحته ومنفعته وتسخير الطبيعة تسخيرا نافعا للإنسان والإنسانية، فهي لا تدخل في مفهوم « البدعة » بالمعنى المشار إليه، بل منها ما هو مرغوب فيه، وقد سمى الفقهاء المحدثات النافعة بـ« البدع الحسنة ». وهناك حديث نبوي يثني على كل من سن سنّة حسنة، فيقول: « من سنَّ في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء»[22]. والسنة الحسنة والبدعة الحسنة بمعنى واحد. 

 وصدق الله العظيم إذ يقول: ) والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر([23]. 


[1] التراث والحداثة، د. محمد عابد الجابري، ص: 15-16. ط 1/ يوليو 1991، مركز دراسات الوحدة العربية – بيروت.

[2] المذاهب الأدبية والنقدية عند العرب والغربيين: شكري عياد، سلسلة عالم المعرفة،ص: 17-18، عدد 177 / سبتمبر 1993، الكويت.

[3] التراث والحداثة، محمد عابد الجابري، ص: 16-17.

[4] فرضية الحتمية اللغوية واللغة العربية: عبد الرحمن حامد حمد، عالم الفكر، المجلد 28، العدد 3، ( يناير / مارس 2000 )، ص: 10.

[5] في الأدب والنقد: شوقي ضيف، ص: 112، دار المعارف – القاهرة، 1999.

[6]  المذاهب الأدبية والنقدية: شكري عياد، ص:  69.

[7] نقد الحداثة: آلان تورين، ترجمة: أنور مغيث، ص: 29، طبعة 1997، المجلس الأعلى للثقافة – القاهرة.

[8] البحث عن المنهج في النقد العربي الحديث: سيد البحراوي، ص: 108-109، طبعة 1993، دار شرقيات – القاهرة.

[9] نقد الحداثة: آلان تورين، ص: 247.

[10] المرجع السابق، ص: 472-473.

[11] التراث والحداثة: محمد عابد الجابري، ص: 45.

[12] المرجع نفسه، ص: 24.

 

[13] التراث والحداثة: محمد عابد الجابري، ص: 41.

[14] من إشكاليات النقد العربي الجديد: شكري عزيز الماضي، ص: 145-146. طبعة 1997، المؤسسة العربية للدراسات والنشر – بيروت.

[15] دراسات في المذاهب الأدبية والاجتماعية: عباس محمود العقاد، ص: 9.

[16] سورة الأحزاب، الآية: 21.

[17] معتصر المختصر: يوسف بن موسى الحنفي أبو المحاسن، ج 2 ص: 171، عالم الكتب – بيروت.

[18] رواه مسلم في صحيحه، ج 4 ص: 1836 ح 2363، بتحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي – بيروت.

[19] التراث والحداثة: محمد عابد الجابري، ص: 33.

[20] المشروع النهضوي العربي: مراجعة نقدية، محمد عابد الجابري، ص: 12، ط1/ ديسمبر 1996، مركز دراسات الوحدة العربية – بيروت، لبنان.

[21] السنة للمروزي، ص: 29، ح 79، بتحقيق: سالم أحمد السلفي، ط 1، 1408، مؤسسة الكتب الثقافية – بيروت.

[22] رواه مسلم في صحيحه، ج 2 ص: 705 ح 1017. وابن خزيمة في صحيحه: ج 4 ص: 112 ح 2477، بتحقيق: د. محمد مصطفى الأعظمي، 1390-1970، المكتب الإسلامي – بيروت.

[23] سورة العصر.

قراءة إثنو-اتصالية/فهرسية في تقديم قضايا فكرية معاصرة للمؤاف محمد عادل التريكي

قراءة إثنو- اتصالية / فهرسية:

في تقديم:

قضايا فكرية معاصرة للمؤلف محمد عادل التريكي

على قرص مدمج بذاكرة قرائية (CD-ROM)

كنموذج للكتاب الجديد في مجرة كوتنبيرغ

الدكتور محمد صوصي علوي*

 

بإصداره طبعة منقحة ومزيدة « لقضايا فكرية معاصرة » على قرص مدمج بذاكرة قرائية (CD-ROM) عن شركة (TRIKI GE.COM.PRO) بتطوان سنة 2003، جعلني الأستاذ محمد عادل التريكي أطرح على نفسي وبوجه عام إشكالية مقاربة قراءة إثنوا- اتصالية/فهرسية لهذا الحامل (Support)، ومبحثيته الفكرية التراثية/الحداثية، كشكل جديد للكتاب الإلكتروني في “مجرة كوتنبيرغ”، لـ . م. ماك. لوهان، عالم اجتماع الاتصال الكندي[1]، صاحب مفهوم “القرية الشمولية” (المعلوماتية) في القرن العشرين، وكتقديم لهذه الإشكالية التراثية/ الحداثية شكلا ومضمونا في مجال القراءة الاتصالية لهذا الوسيط Médium)) وذلك بعد صدوره الأول عن مجلة الحياة اللبنانية سنة 2001، يمكن الوقوف على جوانبه التالية:

1.  قراءة في شكل قرص مدمج (CD-ROM) قضايا فكرية معاصرة كوثيقة أصيلة من أجل مقاربة اتصالية حضارية بين ثقافية لكتاب من نوع جديد.

2.  قراءة نموذجية في مضمون قضايا فكرية معاصرة من خلال مقاربة إثنو-اتصالية/ فهرسية مفتوحة على كفاية الذات والآخر.

 

%

I .  قراءة في شكل قرص مدمج (CD-ROM) ” قضايا فكرية معاصرة” كوثيقة أصيلة من أجل مقاربة اتصالية –  ثقافية لكتاب من نوع جديد:

من عنوان القرص المدمج للأستاذ محمد عادل التريكي «قضايا فكرية معاصرة» يتبادر إلى ذهن المتلقي له إشكالية علاقة التكنولوجيا الجديدة (الوسائط)، بإمكانية التعايش والحوار التراثي/ الحداثي بين أعضاء المجتمع القومي من جهة، والإنساني العالمي من جهة أخرى، على أساس من المساواة والتسامح والتكامل المتنافس نحو الأفضل الحضاري في نفس الآن، وقد لخص السمة المشتركة لهذا الظاهرة أنريكو فولشينيوني بقوله في كتاب (حضارة الصورة) «La civilisation de l’image»: « سواء كان المرء ملحدا، مؤمنا، ماديا أو مثاليا في الفلسفة (…) فإنه من الصعب عليه أن يجادل في كون عصرنا عصر انعتاق اجتماعي وثقافي»، موضحا بعد ذلك:

« وليس اختراع الصورة الفوتوغرافية فقط والقرص، والسينما، والراديو، والتلفزة، أو طرق إعادة الإنتاج المتطورة التي تحمل نفس السمة، ولكن كل مبادرات قرننا (ق.20) وهو الاعتراف بالطابع الشعبي والكوني للتربية والثقافة »[2]. وهو ما عبر عنه من منظور خاص الأستاذ التريكي في غلاف قرصه المدمج بعنوان «هذا القرص» قائلا:« عندما نتحدث عن المشروع التنويري النهضوي للثقافة والحضارة العربية والإسلامية، فنحن نتحدث عن مشروع كلي (…) يروم تحقيق «النهضة» في كافة المجالات: الاقتصادية، والاجتماعية، والسياسية، والثقافية (…) من أجل «الوحدة والتقدم» بتعبيرنا اليوم، أو «الاتحاد والترقي» بتعبير رواده أمس ».

ولرصد شكل القرص المدمج المذكور « كوثيقة أصيلة » أو كتاب من نوع جديد، من أجل قراءة (مقاربة) اتصالية بين ثقافية، مؤسسة لكفاية قراءة ملائمة لطبيعته التكنولوجية الجديدة، وما يضع من إمكانيات استغلال فكرية وعلمية أمام القارئ بوجه عام، والباحث بوجه خاص، فإننا نلاحظ مع سالفادور بنادافا شروط أولية لحوار الثقافات منها:

‌أ.       انخراط القارئ/ الباحث بشكل أكبر بدافع كفاية الاتصال اللازم توفرها فيه.

‌ب.  الأخذ بعين الاعتبار الخصوصيات الاتصالية للقارئ/الباحث، باستحضار قواعد التفاعل الأجنبية (Règles D’interactions Étrangères) اعتبارا للعادات الإثنو – لغوية لهؤلاء ببذل مجهود ولوج أخلاق الآخر وثقافته وفكره.

‌ج. توسيع عالمه السميولوجي، بشكل أكثر تعقيدا، دون إغفال أولوية اللغة مع منظومات دلالية أخرى كالكتاب (عبر التصفيف، والفهارس، هنا على سبيل المثال).

‌د.     امتداد المجال الاتصالي المتعلق بالاتصال وجها لوجه (للقرص المقروء على شاشة الحاسب، إلخ).

‌ه.  الانشغال المتزايد بمشاكل التمثلاث الثقافية/ الحضارية/ الفكرية، وشبكاتها السوسيو- ثقافية المتواجدة على القرص المدمج المقروء واللغة الواصفة له، أو فشل التواصل أحيانا بسبب إساءات الفهم، إلخ.

‌و.  خطوة مفهوم الأصالة (Authenticité) أو «وهم الأصالة»، الذي يقوم به النص الأصيل هنا على القرص المدمج بتحقيقه عمليا بدل “النص البيداغوجي” المزيف/ المعد داخل “الكتاب المدرسي” أو “مستنسخ الدرس الجامعي” كنماذج مصطنعة ومغشوشة للقراءة-(De La Civilisation À L’ethnocommunication)[3].

ومن هنا كانت أهمية الجانب المادي للقرص المدمج المقترح قراءته، “كنص أصيل” كما وكيفا، لاستغال معرفي بين ثقافي وحضاري إثنو- اتصالي شامل، إذ من الواضح أن القرص المدمج يشكل حسب ماري- كلود ألبير، وإيفلين بيرار- لافين، الوثيقة الأصيلة Authentique Document)   ) من زاوية اتصالية، وذلك بقولهما إن «الوثائق الأصيلة» تندمج بشكل أكثر فأكثر ترددا في مقاربات من النمط الوظيفي أو النمط الاتصالي. ولها الفضل في منح المتعلم اتصالا غير مشتت ومتقطع، وتشكل عتادا ممتازا للتدريس/ والتعليم، شريطة أن تكون منظمة بشكل متسق، وأن تجرى عليها معالجة ملائمة…»[4]

ويمكن الوقوف هنا أيضا على بعدين للقرص المدمج لـ« قضايا فكرية معاصرة » للأستاذ التريكي، أحدهما تكنولوجي، والثاني بيبليو- أكاديمي من خلال:

1.      البعد التكنولوجي للقرص المدمج:

فمن جانبه التكنولوجي، نجد القرص المدمج عموما والحامل (Support) لقضايا فكرية معاصرة للأستاذ التريكي بوصفه قرصا مدمجا بذاكرة (CD-ROM) Compact disk- read only memory   . وهو عبارة عن قرص بصري (Optical  disk ) قطره نحو 5 إنشات (5 بوصات أي 18.5سنتيمترا) . نسجل عليه المعلومات رقميا كمجموعة من الانخفاضات على السطح. ويشكل الانعكاس المشوه لإضاءة شعاع ليزري ضعيف يمر بالانخفاضات المعطيات التي يمكن استخدامها للقراءة.

وكثيرا ما استخدم الأقراص المدمجة ذات الذاكرة القرائية (CD-ROM) على نطاق واسع، يقول بريان سامويز في أجهزة لعب الموسيقى التي تستخدم الأقراص البصرية «ويمكن أن تحتوي على بحث مبرمج ومرافق ذاكرة (…) وتبلغ سعة القرص البصري 600 ميغابايت، وهو ملائم جدا لتطبيقات الحاسب التي تحتاج إلى تخزين كبير، وعلى سبيل المثال، فإنه باستطاعة قرصين اثنين فقط أن يخزنا كل أدلة أرقام الهاتف في كل أنحاء أوربا، والواقع أن مكتب البريد البريطاني يخزن 24 مليون عنوان بريدي على قرص مدمج ذي ذاكرة قرائية، قطره 5 إنشات (بوصات) وتقوم المكتبة البريطانية الآن بوضع فهرس كامل لكتبها على قرص واحد »[5]. ويقابل هذا البعد التكنولوجي بعد بيبليو- أكاديمي، وهو جانب الكتاب الإلكتروني الجديد ومكوناته القرائية شكلا ومضمونا عبر: «قضايا فكرية معاصرة».

2.      البعد بيبليو- أكاديمي للقرص المدمج:

أما القرص من جانبه التكويني، تأليفا وتخزينا، فإن القرص المدمج كوسيط لـ«قضايا فكرية معاصرة» للأستاذ محمد عادل التريكي، ومن وجهة منظور كرونولوجي (زمني) فقد مر من مرحلتين، وكما سلف ذكره أعلاه من خلال:

‌أ.       إصدار أول عن « مجلة الحياة » سنة 2001 بيروت (لبنان).

‌ب. إصدار ثاني، منقح، ومزيد عن شركة التريكي سنة 2003، بتطوان (المغرب).

ويحتوي ماديا، وبيبليو- أكاديميا على ما يلي:

§ فهرس من 21 جزءا، مقسم إلى : 150 مقالات و5 كتب، كتبها المؤلف ما بين سنتي 1990 و2003، بتطوان. ويقدرها بحوالي 20 كتابا ورقيا، مكونا من 250 صفحة من الحجم المتوسط، وهو ما تضمنه القرص المدمج. مما يعكس الأهمية البالغة لهذا الحامل التكنولوجي من حيث الحجم من ناحية، ومن حيث الثمن من ناحية أخرى، وآفاق القراءة الإلكترونية الهائلة الاستعمال والاستغلال العلمي والفكري والبيبليومتري (الخزائني) من ناحية ثانية.

§ البيبلوغرافيا المبحثية التي اعتمدها المؤلف في مقالاته، وكتبه ضمن «قضايا فكرية معاصرة» وتتضمن عديدا من المصادر والمراجع القيمة بلغات مختلفة: العربية والإنجليزية والفرنسية والإسبانية. كما اعتمد على الكتب المقدسة: القرآن والتوراة والإنجيل. وقد همت هذه الأجزاء قضايا قومية/وعالمية، معاصرة، مثل:

·          العولمة بمختلف تجلياتها.

·          حوار الحضارة والأديان.

·          الاستشراق والاستغراب.

·    قضايا ثقافية منها: التنمية، البيئة، الموسيقى، الإرهاب، المرأة…إلخ، وكل هذا الزخم من المواضيع وهو غالبا ما يأتي في أكثر من مقال أو كتاب في القرص المدمج هذا لابد وأن يفتح مجالا للقراءة الاتصالية على الكمبيوتر تتجاوز حدود الكتاب الورقي القديم إلى كتاب إلكتروني في “مجرة غوتنبيرغ” لـ. ماك. لوهان، و”القرية العالمية” الإثنو- اتصالية الحديثة. وهذا ما نود طرحه ضمن قراءة إثنو- اتصالية/ فهرسية (أسفله) من حيث المضمون ثانيا.

%

II . قراءة نموذجية في مضمون “قضايا فكرية معاصرة” من خلال مقارنة إثنو-اتصالية/فهرسية مفتوحة على كفاية الذات والآخر:

بينما يقتصر الكتاب الورقي على قراءة خطية بالأساس Lecture Essentiellement Linéaire، يتيح القرص المدمج بذاكرة قرائية (CD-ROM) من جهة، وعنوانه هنا “قضايا فكرية معاصرة” للأستاذ محمد عادل التريكي قراءة إثنو-اتصالية/ فهرسية-lecture ethno)                         communication/tabulaire، انطلاقا من مشروعه “تأصيل الحداثة وعصرنة التراث” والهادف إلى حوار الحضارات والديانات في عالم اليوم والغد، على أساس هذا الوسيط التكنولوجي بين الثقافي اللامتناهي في أبعاد الاستعمال بين الأنا/ الذات والآخر، فكرا وحضارة وحوارا ومواجهة.

ونقرأ في مقدمة القرص المدمج من هذه الزاوية قول الأستاذ التريكي على الخصوص: «وبعد، فالأصالة والمعاصرة لا ينفصلان (…) إنه الاستقلال التاريخي الذي لا ينال إلا بممارسة النقد البناء المتواصل للذات وللآخر، أيا كان هذا الآخر، والنقد لا يعني الرفض الميكانيكي، بل هو أساسا تفكيك للسلطة التي يمارسها الخطاب على المخاطب. وإننا بذلك نتمكن من جعل المقروء أصيلا ومعاصرا لنفسه وأصيلا ومعاصرا لنا في آن واحد »[6] ومن حيث ربط الإثنو- اتصال بالحضارة وتنوع حوار الثقافة حسب المخاطبين، يؤكد سالفادور بانادافا من جهته قائلا:

« تتضمن الإثنو- ثقافة اختفاء الحضارة كعنصر مستقل، والمرور من حضارة نتحدث عنها، إلى حضارة نمارسها. ويبدو الاتصال غير قابل للانفصال عن الحضارة لسببين اثنين على الأقل: لأنه يستخدم قواعد تفاعل تتغير من ثقافة لأخرى، ولأن التمثلات المتعلقة بالكلمات خاضعة لثقافة المخاطبين. وهذه القواعد، وهذه التمثلات تتغير ليس فقط من بلد لآخر، ولكن داخل نفس البلد، ومن جماعة سوسيو- ثقافية لأخرى    De La Civilisation a L’ethnocommunication»[7]، مما طرح لدينا مشروعية قراءة إثنو-اتصالية/فهرسية للقرص المدمج «قضايا فكرية معاصرة»، كفعل قراءة اتصالي بالكامل (حسب دوني ليمان، وصوفي مواران)، من خلال كفاية اتصال في القراءة، عبر مداخل واستراتيجية خاصة بها.

أ. مداخل إثنو- اتصالية/فهرسية على مستوى القارئ/الباحث للقرص المدمج:

باعتمادنا فهرس القرص المدمج للأستاذ التريكي “قضايا فكرية معاصرة“، وفي اتجاه كفاية إثنو-اتصالية/فهرسية لقارئه النموذجي، نقول تحديدا لهذا الدور مع دوني ليمان، وصوفي مواران بأنه: « إلى جانب هذه الكيفية في النظر إلى الأشياء (القراءة الخطية القديمة)، يمكن تصور القراءة كظاهرة أكثر تعقيدا، والتي يلعب حقا فيها النص Texte دوره كرسالة من إنتاج كاتبه (Scripteur)، ولكن حيث تلعب دورها أيضا إعادة بناء المعنى (أو المعاني) من قِبل القارئ (Lecteur) بارتباط مع معارفه السابقة اللغوية، ولكن أيضا غير اللغوية، مع ما يريد الوصول إليه من قراءة النص المذكور (خبر، لذة، إلخ). ويتعلق الأمر إجمالا بحوار واتصال بين مرسِل ومرسَل إليه، ولكل منهما نواياه الخاصة، ومشروعه، واستراتيجية اتصاله»[8].

وباعتماد عنوان القرص المدمج هنا وفهرسته، يمكن استغلال محتوياته شكلا ومضمونا، عن طريق أهداف القارئ/الباحث العامة أو الخاصة خلال هذه القراءة الإثنو-اتصالية/ الفهرسية، باختيار مداخل له، مثل:

1.  استنتاج “مجال فرعي” لمرجعية القضايا الواردة في مواضيع القرص (Micro-domaine de référence du texte) وتنظيم استغلاله شكلا ومضمونا على ضوء ذلك

2.      القيام بمعاينات نظامية لقراءات مستوعبة لاحقة.

3.      اتخاذ النص المقروء كوسيلة لاستعمالات مستقلة (خاصة وعامة).

4.  برمجة القراءة تمشيا مع أهداف القارئ/الباحث، إما من خلال قراءة مستوعبة لبعض الفصول، أو لمجموع القرص المدمج. استجابة لإرضاء مشروعه، قصد تفصيلها حسب المدخل الذي اختاره لها، إلخ.

5.  استغلال القراءة من طرفه لتحقيق هدف أساسي، كممارسة يومية للقارئ بحثا عن مسالك بيبليوغرافية حول المواضيع المبحوث فيها [9].

وتتجسد غاية مداخل هذه القراءة بالمقابل على مستوى استراتيجية الكفاية الخاصة بها.

 

 

 

ب. استراتيجية القراءة الإثنو-اتصالية/فهرسية للقرص المدمج:

وبناء على مبحثية القرص الخاصة كحوار للحضارات والأديان، أو العولمة …إلخ ضمن عنوانه: ” قضايا فكرية معاصرة “، وفهرسه العام، يمكن اعتماد استراتيجية قراءة إثنو-اتصالية/فهرسية للقرص على أساس تمفصلات المكونات التالية:

  1. مكون تشكلي (Composante Configurative)، يمكّن من تفكيك النص المقروء إلى أجزائه المكونة، ويعيد تشكيلها كشكل (مقال، أو كتاب، أو فصل، أو عنوان، أو مرجع، …إلخ).
  2. مكون تصنيفي (Composant Toxique) ، مبينا سماته المميزة كنص إلكتروني، بين آخرين مخزن على قرص مدمج، قابل للاستغلال على الحاسب.
  3. مكون وظيفي ((Composant Fonctionnelle عملي أو نظري على السواء.

4.    مكون تركيبي بالانتقال من قراءة خطية ((Lecture Linéaire إلى قراءة فهرسية lecture tabulaire بانتقاء، أو تركيب إثنو-اتصالي/فهرسي لمبحث الموضوع المقروء إلى مجال كلي أو فرعي يصبح القرص بالنسبة له «بنك المعلومات» يمكن استوضاحه عند الحاجة- [10]infanticide ou machinerie narrative» : Mateo Falcone »  وكذا : Gjerard Vigner[11]، إذ بتسخير هذه المكونات وربطها بالمداخل السابقة يمكن تحقيق قراءة نموذجية إثنو- اتصالية/فهرسية للقرص المدمج المقروء (جزئيا أو كليا حول “حوار الحضارات والديانات” مثلا بشكل انتقائي على وجه التحديد، إلخ.

وختاما، يمكن القول مع سالفادور بنادافا بأن: « اقتباس (القراءة ) الإثنو- اتصالية/فهرسية كنموذج نظري (لقراءة قرص مدمج هنا) يفترض بالضرورة تجديد العتاد والحوامل (Supports) البيداغوجية »[12]. وتظل هذه القراءة مفتوحة على كفاية الذات والآخر في حوارهما ضمن: «قضايا فكرية معاصرة» إلى مالا نهاية إذن.


* أستاذ وباحث جامعي، بالمدرسة العليا للأساتذة بمارتيل، ومراسل صحفي لجريدة العلم.

[1] 1962 Galaxie de Guten Berg» Ed.A. Bourdin»

 

[2] 1972 Ed. Payot, paris ص: 231 – 232.

[3]  .(37– 36. P     170, Juillet 1982, Hachette, Larousse, Paris, le FDM,  n

[4] .«. Documents télévises et apprentissage linguistique, le FDM, n° 157, Novembre»

[5]  الكمبيوتر معالج الجيب، إنجليزي، فرنسي، عربي، طبع أكاديميا- كولتر إنترناشيونال، بيروت 1991، ص. 68- 69.

[6]  من مقدمة المشروع لقضايا فكرية معاصرة، الأستاذ محمد عادل التريكي، ص:23.

[7]  . le FDM, n 170, Juillet 1982, Hachette, Larousse, Paris, P37)

[8]  . Une approche communicative de la lecteur, Le FDM, N° 153, Mai-Juin 1980, P 73

[9]  د. ليمان وص. مواران، المصدر السابق، ص: 75.

[10]  de Abelmajid Ali Bouacha et Denis Bertrand, le FDM, n° 170 Juillet 1982, P 65

[11] .Image vidéo et appoveche audio- Vicuel-le, le FDM, n 207, Février/Mars 1987, P.56

[12]    «de la civilisation-à léthno-communication». المصدر السابق، ص: 38

مقدمة للمشروع التنويري النهضوي للحضارة الإسلامية والعربية

لا يمكن التفكير في مشروع النهوض الحضاري الإسلامي والعربي دون استدعاء مرجعيان محددة. قصد بناء المعطيات التي تمكننا من توضيح محتوى ما نحن بصدد التفكير فيه. وفي هذا السياق يمكن العودة إلى النموذج التاريخي الحضاري الغربي، كما يمكن استدعاء بعض عناصر مشروع النهضة العربية، كما تبلورت في التاريخ العربي المعاصر خلال القرنين المنصرمين.

*********

في موضوع النموذج الحضاري الغربي، يمكن القول: إن هذا المشروع قد تحكمت في بنائه وتأسيسه مرجعيات النهضة الأولى والثانية في القرنين 16 و 18 وهي مرجعيات فكرية فلسفية عامة، كما شكلت الثورات المعرفية والسياسية، ثم الثورات الصناعية والتكنولوجية المتواصلة في القرنين 19 و 20، النماذج المعرفية المنظمة لقواعده في البحث والإنتاج.

وقد تحكمت هذه المرجعيات والثورات لا حقا في عملية تركيب مشروع النهضة العربية، فلم يعد التفكير ممكنا في الفكر العربي المعاصر دون استدعاء هذه المرجعية. وحصلت ازدواجية في إيقاع التاريخ والفكر والمجتمع العربي، وبدا في العقود الأخيرة من القرن العشرين، أن مشروع مواصلة التفكير في النهوض العربي أصبح يرتبط بمبدأ التأصيل الفكري الرامي إلى استحضار البعد التاريخي والنقدي في التعامل مع مقدمات ونتائج هذه المرجعية، وهو الأمر الذي يعبر عن تطور في الوعي الذاتي يتجه لإبراز أهمية الخصوصيات الفكرية والمجتمعية في بناء مشروع النهضة العربية المأمول والمرتقب.

تحظر إذن معطيات المشروع الحضاري الغربي عند التفكير في النهضة الإسلامية العربية والمشروع النهضوي الإسلامي العربي، وربما لهذا السبب يتم استبعاد مفهوم النهضة العربية واستبداله بالمشروع الحضاري النهضوي العربي، وذلك باستحضار مفهوم الحضارة، والحديث عن مشروع حضاري عربي. ولم ينفع التخفيف الذي حرص على المحافظة على نهضوي وعربي، من تقليص الشحنة القوية المرتبطة بكلمة “الحضاري”.

 

 

 

في تمجيد اليوتوبيا:

نتصور أن مفهوم المشروع التنوير النهضوي للحضارة الإسلامية والعربية، يتضمن جملة من المعطيات الممتلِكة لأهم خصائص المنظور اليوتوبي، فهل الحديث عن مشروع حضاري عربي يعني أننا أمام يوتوبيا عربية؟

قبل الجواب عن هذا السؤال، ورفعا لكل التباس، نشير إلى أننا نستعمل هنا مفهوم اليوتوبيا في دلالته الإيجابية، بل إننا قد لا نجد أي حرج في تمجيد يوتوبيا عربية تبني مشروعا حضاريا جديدا، يهب أمتنا إمكانية امتلاك القوة وتحقيق النهضة والاستقلال، وإبداع التاريخ.

ستحضر مشروعنا الخطاطة العامة لمكونات المشروع الحضاري الإسلامي والعربي ويعددها كما يأتي: الوحدة والإستقلال والتحرير والتنمية والعدالة، بل إنه يفكر في الروافع القادرة على تحقيق المشروع. ونقله من دائرة الممكن إلى مستوى التحقق والتجسيد، بل ويذهب أبعد من ذلك، فيصوغ برنامج الأولويات، ويبحث في كيفيات تجسيد المشروع في الواقع.

في المتخيل اليوتوبي تكون الأرض جزيرة، ويتمتع المجتمع وسط هذه الجزيرة بكل مقومات مجتمع الوفرة والرفاهية، حيث يسود العدل ويحل الوئام…

التوتر بين الواقعي والمتخيل، رفض التناقض، رسم الصور المأمولة، اختزال التاريخ ثم استبعاده، البحث عن الإتساق والإنسجام، والنفور من الصراع والإختلاف، إغلاق مجال التفكير، بناء ثنائيات قابلة للتركيب التوافقي..نجد هذه الخصائص مجتمعة في الخطاطة الصورية لمحاور المشروع والذي يتوخى إصابة هدف محدد..

يحضر التكوين اليوتوبي في تصور المشروع الحضاري العربي كما تحضر الأحلام الوردية في الظلام، لكن التاريخ أعقد من التصور، رغم أن التصورات تملك القدرة أحيانا على توجيه التاريخ. إن تقليص المكون اليوتوبي في النظر يتطلب الإنخراط في نقد تجارب المشروع التنويري النهضوي الإسلامي العربي، والإنخراط في نقد سلبيات المشروع الحضاري الغربي، إلا أنه يقتضي قبل ذلك وبعده، التسليم بأهمية النموذج الحضاري الغربي، وهو الأمر الذي يكاد يختفي أو يحضر محتشما في تصور المشروع الحضاري العربي وذلك لطغيان الهواجس السياسية على الفكرة والمشروع.

التجدد الحضاري: في لزوم الاستيعاب النقدي لمكاسب الحضارة المعاصرة

إننا نعتقد أن إمكانية التجدد الحضاري في الفكر وفي الواقع العربي، تتطلب اعترافا بالقيمة التاريخية الكبرى للإنجازات التي بنتها الحضارة الغربية، في مختلف مجالات الحياة، وهذا الإعتراف يعد في نظرنا الخطوة الأساس في باب التفكير في تجاوز هذا المشروع، ودون ذلك يحصل الإنكفاء، وتنتعش المواقف المستندة إلى دوغمائيات مغلقة، وهو حال التصورات الرافضة للحضارة الغربية ولمشروعها التاريخي في المعرفة والتقنية، وفي تصورها للإنسان والمجتمع والقيم، سواء في بعض توجهات المشروع الأيديولوجي القومي، أو في مقدمات مشاريع تيارات الإسلام السياسي[1].

لا مفر هنا من الإشارة إلى لزوم التمييز بين الموقف من المكاسب الحضارية الغربية وبين المواقف السياسية التي ترتبط بالأوجه الأخرى لهذه الحضارة، وخاصة وجهها الإستعماري، بمختلف الصور التي اتخذ خلال التاريخ المعاصر. إن المنزع الإمبريالي الذي وجه إرادة القوة الأوربية، في إطار تطور المجتمع الصناعي، وتطور حاجاته وآليات عمله، ساهم في صياغة الأوجه المتعددة والمتناقضة للغرب. ولم يعد بإمكان المهتمين بتاريخ الفكر والسياسة والأخلاق في الغرب، أن يجدوا أي صعوبة في تبين ملامح وسمات التركيب المتناقص للمشروع الحضاري الغربي. صحيح أن أوربا صنعت لنفسها من الأقنعة، ما مكنها من ممارسة الأدوار المتناقضة، إلا أن مكر التاريخ كشف بكثير من القسوة، عن مختلف أشكال العنف الظاهرة والخفية، التي مارس بها الغرب وما زال يمارس أصناف طغيانه في كل القارات، ووسط كثير من شعوب المعمور.

إن المثاقفة النقدية وهي أمر حصل في كثير من مشاريع الفكر النهضوي العربي، كشفت محدودية النموذج الحضاري الغربي، ومنحته في الوقت نفسه فرصة بلوغ عتبة الكونية التي كان يبحث عنها، حيث أصبح انخراط الفكر العربي في إعادة تأسيس عناصر هذا المشروع مناسبة للمساهمة في بلورة مجموعة من النتائج التي أكدت جدارته ورجحانه التاريخيين.

لابد من الإشارة هنا أيضا إلى أن نقد التمركز الثقافي الغربي، وهو من المنتوجات السلبية للمشروع الحضاري الغربي، وقد حصل في الفكر الغربي، كما حصل في ثقافة محلية أخرى، لا ينبغي أن يوَلِّد انكفاءً ذاتياً، أو مركزية حضارية معكوسة، فمواجهة التحديات لا تكون بالهروب إلى الوراء، أو إعلان حرب الهويات والحضارات. صحيح أن التشبث بالحصون الذاتية، يشكل دعامة من دعامات المواجهة والنهوض. إلا أن نقد المشروع الحضاري الغربي، يكون أقوى وأعمق بقدر ما يكون نقدا داخليا، نقدا مستوعبا للآليات المعرفية والتاريخية الموضوعية، التي ساهمت في تبلور هذا المشروع، ثم محاولة كشف منطقه، ومحدودية نتائج معارفه، ونسبية قوانينه، حيث تصبح الفرص مواتية لصياغة البدائل القادرة على تحويل الكونية الحضارية المشروع والأفق، إلى فعل تاريخي يهم الغرب قد ما يهم غير الغربيين، وفي كل مكان.

 

المشروع التنويري النهضوي الإسلامي العربي:  التفكير في المستقبل

يتضح من سياق تحديدنا لطبيعة التصورات التي انتظمت في إطارها المفاصل الكبرى للمشروع التنويري النهضوي للحضارة الإسلامية والعربية، أن الأمر يتعلق بطوبى تمكن المسلمين والعرب عند تحققها من الانتصار على ذاتهم التاريخية، وعلى واقع تأخرهم التاريخي المزمن..

لا يمكن إنكار أن التفكير في المستقبل مفتوح على ممكنات بحثية متنوعة، من التفكير الاستراتيجي إلى البحث في المستقبليات، إلا أن هذا التفكير الأخير يقترب من اليوتوبيا ويصنعها عندما يحدد الأهداف ويرتب سلم الأولويات، ثم يضع محتوى المرغوب فيه، ويجسده فعلا في مستوى التصور. لكنه يجسده بمنطق اليوتوبيا مغفلا أو متغافلا منطق التاريخ…

إنني أفكر هنا كما قلت آنفا بكثير من الإيجابية في اليوتوبيا، كما أنني أنظر إلى الأحلام كمؤشر هام على معطيات لها صلة ما بالواقع، وهذا التفكير لا يعود فقط للنتائج التي أبرزتها الدراسات النفسية المعاصرة ودراسات التخييل السياسي في حياة الأفراد والجماعات. بل لأن التفكير اليوتوبي يقوم بعملية تحصين للطموحات الكبرى، والأماني التاريخية للبشر، وهم يجابهون الإكراهات التاريخية والعوائق النظرية، التي تحد من طموحاتهم، وتحول دون تمكنهم من بلوغ المرامي التي يرسمونها لغدهم.

ما يؤكد ما نحن بصدده، الحديث المتسق عن تصور طلائع تاريخية منفعلة بواقع مجتمعاتنا، طلائع فاعلة في اتجاه بناء مشروع حضاري عربي في زمن الصراع المعولم. إن هذا الحديث يعبر بقوة عن قدرة النمط اليوتوبي في التفكير على اختراق أكثر الوقائع صلابة. فبعد المعارك العربية المتواصلة في الواقع من أجل مزيد من ترسيخ مقدمات الحداثة وآليات التحديث في الفكر وفي السياسة والاقتصاد في الوطن العربي، وهو الأمر الذي تنعكس نتائجه على المشروع التاريخي القومي العربي مشروع النهضة العربية، وذلك ضمن دائرة العمل في فلك الاستفادة من المتاح للبشرية جمعاء، بتمثل مكاسب التاريخ المعاصر، التي تأسست في إطار المشروع الحضاري الغربي، وبعد التحولات والمقاومات وأشكال الممانعة والتكريس الجارية في سياقات علاقتنا المتعددة والمختلفة مع منتوج هذه الحضارة، حيث يعاد تأسيس المشروع النهضوي الإسلامي العربي كما قلنا بحس أكثر تركيبا وأكثر نقدية وتأصيلا، حيث تنجز محاولات في الفكر العربي تتجاوز دائرة التبعية الفكرية، نحو المساهمة في إبداع ما يطور مكاسب الحضارة المعاصرة، في علاقاتها بثوابت ومتغيرات الخصوصية التاريخية للمجتمع العربي، نتجه مجددا للتفكير في مشروع تنويري نهضوي للحضارة الإسلامية والعربية، فهل يمكن تصور إمكانية لتجاوز منجزات الحضارة المعاصرة، خارج دائرة الانخراط فيها أولا؟

قد يكون من الضروري هنا الإشارة إلى أن حتمية التعلم من تجارب الآخرين، تعتبر جزءا من معاصرة التفكير في التجاوز، التفكير في المجابهة والمقاومة..

إن الصعوبات النفسية والتاريخية، والمعارك السياسية المتواصلة بيننا وبين الغرب تحول دون هذا الأمر إلا أن عدم تحققه، لا ينبغي أن يجعلنا نتراجع، ونكتفي ببناء اليوتابيا، حيث تتأرجح الجزيرة: حضارة عربية جديدة داخل البحر، مسكونة بكائنات لا نعرفها، وربما لا تعرف بعضها ولا يعرفها أحد..

فقد يكون التفكير الأكثر قوة في المشروع مرتبطا أولا وقبل كل شيء بتشريح ونقد عوامل القصور التاريخي الذاتي، ومحاولة استدراكها بالاستفادة من منجزات الحضارة الإنسانية المعاصرة، وعلى مختلف الأصعدة والمستويات.

صحيح أن مشكلات الواقع العربي عديدة ومزمنة، وأن ضغوط الآخر الذي ما فتئ يؤسس ويعيد تأسيس مقومات المشروع الحضاري، تضيق إلى ضغوط الصراعات الداخلية الكبيرة والمعقدة عوائق جديدة، إلا أن تأملا هادئا وعقلانيا في مسار تطور الواقع العربي والفكر العربي، ومشروع النهوض العربي، يجعلها نتأكد من وجود متغيرات هامة لا نلتفت إليها كثيرا، ولا نثمنها بما يكفي من الحس التاريخي. فهل نستطيع إنكار التحولات التي تبلورت في الفكر العربي المعاصر في علاقاته بنموذج الفكر الغربي الحديث والمعاصر؟

إن مسافة ما يقرب من قرن من المنجزات الفكرية المتعلقة بسؤال النهضة العربية من فرح أنطون إلى عبد الله العروي، تكشف للمهتمين الطفرة النوعية الكبيرة التي حصلت في مجال النظر العربي، فالمفكران معا يتفقان على أهمية المشروع الحضاري الغربي، ويجمعان على ضرورة التعليم من دروس تجربته في النهضة والتقدم، ولكن الثاني لا يمكن تصنيفه بسهولة في خانة التغريب، رغم دفاعه القوي عن الحداثة والتاريخ، ورغم اعترافه وتسليمه المؤقت والنسبي بنزعته التغريبية.

لقد مكنت لحظة فرح أنطون من إدماج المكون الحضاري الغربي في جانبه الثقافي والسياسي في دائرة التكوين التاريخي للأمة، ولم يعد الغرب في فكرنا وواقعنا خارجا مطلقا، بل لعله أصبح جزءا من ذاتنا المتحولة في الزمن. (فرح أنطون وعبد الله العروي رمزان يشيران إلى لحظتين هامتين في تطور الفكر العربي المعاصر، كما يعبر فكرهما عن نماذج نظرية نهضوية).

ويمكن إعطاء أمثلة متعددة، وفي مجالات مختلفة، وبصدد ظواهر لا حصر لها، تبرز تطور نظام الفكر العربي في علاقته بمنظومة الحضارة الغربية والثقافة الغربية والمجتمع الغربي، وتظهر درجات الانخراط التاريخية والنقدية الحاصلة بيننا وبين مكاسب هذه الحضارة، وهو الأمر الذي يجعلنا نقر بأهمية المشروع التنويري النهضوي الإسلامي والعربي، الرامي إلى تغيير الواقع الإسلامي والعربي، وبلوغ درجة من التطور تمكننا من الحضور القوي في التاريخ، دون أن يقتضي الأمر بالضرورة الاستعانة بمسمى آخر ومفاهيم أخرى، فقد تبعدنا هذه المسميات الجديدة عن مرامينا التاريخية الواضحة.

من هنا وهناك، حاولنا من خلال كتاباتنا ومقالاتنا المسترسلة بعد لحظة وأخرى في أن نضع مشروعا يهتم بقضايا العرب والمسلمين، وهي قضايا معاصرة نحاول تحليل ظواهرها من إيجابيات وسلبيات على واقع الأمة العربية والإسلامية، بمنظور فكري عقلاني يتماشى والعصر الحالي مع مستجدات الواقع ومتغيرات المستقبل.


[1]  انظر مقالنا حول: ” الإسلام السياسي مغالطة علمانية” في قرصنا المدمج الموسوم بـ: “قضايا فكرية معاصرة”.

تقديم لقضايا فكرية معاصرة

تقديم

ليس من شك في أن العقل العربي الآن بات مواجَها بإشكالات عدة، سواء تلك التي تفرضها علاقته بتراثه، أو تلك التي أفرزتها علاقته بالآخر المختلف عنه ثقافيا وعقديا. وإن كان هذا الأمر ليس جديدا على الفكر العربي والإسلامي ( تفاعله مع الفكر اليوناني في القرن الثاني والثالث الهجري ومع الفلسفة الغربية في القرن الثامن عشر والتاسع عشر، والآن مع آثار العولمة ). ومن هنا نلفي هذه المقالات جميعها التي انتظمت في عقد التفكير والتأمل وحتى إعادة بناء بعض المفاهيم أو التصورات لقراءة واقعنا وصلته بماضيه وربطه بحاضره ومستقبله، نلفيها تنحو جميعها منحاً معرفيا وفكريا يستند إلى تصور معرفي، يرى بضرورة إعادة النظر في جملة من الثوابت الفكرية والمعرفية، على أساس تفعيلها ومنحها صيغة للاشتغال تكون فيه أكثر قدرة على استيعاب القضايا المعاصرة. ويستلهم هذا التصور خصوصيته في كونه يراعي في تأمله المنهجي الأبعاد الثلاثة التي تؤطر عادة أي تفكير في مثل هذه القضايا، وهي: التراث بكل عناصره الفكرية والثقافية، وكذلك الغرب بتاريخه الممتد من القديم والمنتصب الآن بشكل يظلل الثقافات الأخرى، وأيضا حاضر الذات العربية التي بدت مشغولة بالسؤال الحاسم الذي تفرزه هذه الوضعية. الارتماء في أحضان التراث تماما، أو التدثر في الثقافة الغربية كليا، أو التوسط بينهما. لا تخلو هذه القضايا من مخاطر منهجية ومعرفية بل وثقافية، وقد نقول: إن العقل العربي لم يكد يَبْرَحها مازال منشغلا بها حتى النخاع، وعبثا يحاول أن يتجاوز هذا السؤال لاستشراف قضايا جديدة هي أكثر قدرة على أن تجاوز هذه المنطقة نحو منطقة معرفية تفتح آفاقا واسعة للتفكير في الحياة الثقافية والفكرية دونما ارتداد إلى سلطة هذه القضايا على نحو قد يتيح تشييد تراث ثقافي عربي جديد يماثل في قيمته التاريخية تراث أجدادنا وتراث الغرب كذلك.

 وهكذا يقودنا المتن الفكري الذي تشيده “مقالات الأستاذ محمد عادل التريكي” إلى استشراف هذا الهاجس المنهجي، واعتماله في الوعي الفكري والنقدي في كل المعالجات الفكرية التي شملت موضوعات تنفتح على المعرفة والممارسة والعلاقات الإنسانية بأبعادها السياسية والاجتماعية والدينية، وهو بذلك يرنو إلى إعادة طرح قضايا معاصرة بأسلوب يرتكز على رواسب التراث العربي، وكذلك على ما يفتحه الفكر الغربي من إمكانات للإفادة والامتياح منه على الرغم من قد يتهدد هذه العملية من مخاطر منهجية نحن نعلمها جميعا.

                                                                                                              الدكتور محمد الموذن

تطوان، 20 يوليوز 2001 

مقدمة

الحمد لله الذي سلم ميزان العدل إلى أكف ذوي الألباب، وأرسل الرسل مبشرين ومنذرين بالثواب والعقاب، وأنزل عليهم الكتب مبينة للخطأ والصواب، وجعل الشرائع كاملة لا نقص فيها ولا عاب، أحمده حمد من يعلم أنه مسبب الأسباب، وأشهد بوحدانيته شهادة مخلص في نيته غير مرتاب، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أرسله وقد سدل الكفر على وجه الإيمان الحجاب، فنسخ الظلام بنور الهدى وكشف النقاب، وبين للناس ما نزل إليهم وأوضح مشكلات الكتاب، وتركهم على المحجة البيضاء لا سرب فيها ولا سراب، فصلى الله عليه وعلى جميع الآل والأصحاب، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الحشر والحساب.

وبعد:

يأتي هذا العمل الذي أسميته  بـ: \ قضايا فكرية معاصرة   jبعد أعمال دينية وأخرى أدبية كانت تهتم بالفكر الديني والحوار بين الأديان. التجأت هذه المرة إلى بعض الظواهر الفكرية المعاصرة المهتمة بالجانب الإنساني وواقعه في مسار حياته المعولَمة، هذه العولمة التي سيطرت عليه من كل الجوانب الاقتصادية والثقافية والدينية، وسلبت منه هويته وقوميته وحولته إلى سلعة تباع وتشترى في الأسواق البشرية.

 ولعل ارتباط أي باحث بموضوع بحثه لا يكون أبدا وليد صدفة أو محض التلقائية، وإنما يرجع إلى عوامل متعددة تفاعلت وتقاطعت بأشكال مختلفة سابقة لمرحلة تحديد الموضوع. وهكذا فإن كتاباتي توجت أولا بمحاضرات أنجزتها في مراحل دراستي الجامعية أمام الطلبة والأساتذة المهتمين بمجال الفكر والأدب، كما أن من أهم الأسباب التي حدت بي أن أَسِم هذا العمل بـ: \قضايا فكرية معاصرة   jنظرا للأهمية التي حظي بها مفكري العصر الحالي أمثال: هشام شرابي وحسن حنفي ومحمد عمارة ومحمد عابد الجابري وغيرهم كثير، والتقائي بهم شخصيا مناقشين هذه القضايا وما اتصل بها من مظاهر مختلفة.

وإن هذه الموضوعات التي ضمنتها في هذا العمل البسيط، موضوعات جديرة بالمناقشة والدراسة، حيث إنها تتصل بأخصب حركة فكرية في عصرنا هذا وفي عالم سيطرت عليه العولمة بشكل أو بآخر. ومعلوم أن الدراسة المنهجية تحتل مكانا بارزا في الساحة الفكرية الحديثة، وهي ضرورية لاستجلاء الآثار الفكرية، ولاستنطاق نصوصها وكشف غوامضها وتفسير مفاهيمها وتحليل حقائقها وقضاياها، خاصة وأننا نعيش في هذا العصر ثراء العمل الفكري والاعتناء بقضايا العصر.

لا يستطيع أي منهج من المناهج أن يفرض نفسه، أو يختصها بالسيادة والتفرد، كما أن هذه المناهج ليست منزهة عن التفكير والإبداع الذهني، بل هي جديرة بالبحث والتمحيص وإبداء آراء مختلفة حتى يجمعنا الرأي السليم الموجه والموحد. وبالتالي أن هذه القضايا يمكن أن تكون حقائق تكمن وراء الخطوات التي قطعتها في عملي هذا بتحرير مواضيع فكرية تهتم بالجانب الإنساني وواقعه المعيش.

لقد اتسعت الدراسات الفكرية وتشعبت في عصرنا، فهي تتناول تجارب وأحداث عديدة تشمل الجوانب السياسية والاجتماعية والثقافية وغيرها في الوقت الذي كانت في السابق تركز على المعارك الحربية والسلاطين والأبطال، كما أن منهجية الكتابة في القضايا الفكرية قد تطورت بحيث يتم التعامل مع الواقع الراهن والمعاصر للاستفادة من دراسته في الحاضر والمستقبل، بمعنى أن أهداف الكتابة الفكرية قد تطورت أيضا وأعطت حلولا تواكب الركب الحضاري.

كذلك فإن هناك علاقة حميمة بين الفكر والعلوم الأخرى المساندة، حيث لا يستطيع الباحث الاقتصادي أو السياسي أو الاجتماعي أو حتى دارس الأدب تجنب الخوض في الفكر، كما أن للفكر مهمة أخرى كبيرة هي تشكيل الوعي العام للناس ببث الثقافة الفكرية حول قضايا المجتمع المعاصرة المختلفة.

لذلك رأينا في كتابنا \ قضايا فكرية معاصرة   j-الذي جزأناه إلى أجزاء لا نعلم منتهاها-  اختيار قضايا الفكر محاورا له والتي هي على شكل سلسلة مقالات منها المنشورة في الصحف والمجلات، ومنها ما شاركنا به في الندوات، ومنها ما قمنا بإلقائه على الطلبة والباحثين والمهتمين بمجال الفكر خاصة، كما حرصنا في هذا الكتاب على تحديد موضوعاته بحيث تتكامل معا علميا من ماهية الفكر والوعي الفكري، وفلسفة الفكر والموضوعية والذاتية في الكتابة الفكرية؛ لأن الفكر يعبر عن الوعي بأسباب النهضة ويبقى مواكبا لها ومعبرا عنها، ونحن في القرن الواحد والعشرين يكون قد مضى قرن كامل على تبلور الثقافة العربية الحديثة في أهداف وطنية سياسة واقتصادية وثقافية واجتماعية كثفها الوعي العربي المستيقظ في شعار “النهضة” الشعار الذي صار منذ ذلك الوقت علما عليها ومشروعا لتحقيقها.

وإني لآمل أن أكون قد وفقت إلى ما صبوت إليه في دراستي لهذا العمل، وأترك الباقي للأعمال القادمة إن شاء الله مرددا قولة العماد الأصفهاني: « إني رأيت أنه لا يكتب إنسان كتابا في يومه، إلا قال في غده لو غُير هذا لكان أحسن، ولو زيد هذا لكان يستحسن، ولو قدم هذا لكان أفضل، ولو ترك هذا لكان أجمل، وهذا من أعظم العبر، ودليل على استيلاء النقص في جملة البشر. ».

                                                              المؤلف

الأستاذ محمد عادل التريكي

                                                               تطوان، 20 / يوليوز / 2001

تابع

Get every new post delivered to your Inbox.